![]() |
|
د. حسن نافعة |
الناخب المصري مطالب بأن يتوجه غدًا الإثنين ٢٦ من مارس ٢٠٠٧م إلى صناديق الاقتراع ليصوت بنعم أو لا على ٣٤ تعديلاً كان رئيس الدولة قد طلب من مجلسي الشعب والشورى اتخاذ الإجراءات اللازمة لإدخالها على دستور ١٩٧١م، لكن هذا الناخب على يقين في الوقت نفسه أن السيد وزير الداخلية سيعلن مساء اليوم نفسه أو صباح اليوم التالي على أكثر تقدير- وكما جرت العادة في مثل هذا النوع من الاستفتاءات- أن نسبةً كبيرةً من المواطنين المقيدين في الجداول الانتخابية حرصت على أداء واجبها الوطني وتوجهت فرادى وجماعات إلى صناديق الاقتراع للتعبير عن رأيها في التعديلات المقترحة، وأنَّ أغلبيةً ساحقةً منهم صوتوا بـ(نعم)، بينما صوَّتت أقلية ضئيلة بـ(لا)، وهو على يقين أيضًا من أن رئيس الدولة- وكما جرت العادة أيضًا في مثل هذه المناسبات- سيوجه بعد ذلك بساعات أو بأيام كلمة قصيرة يشيد فيها بكل مَن قام بأداء واجبه الانتخابي، ويوجه الشكر للجميع، المعارضين والمؤيدين على حدٍّ سواء، ولن ينسى تذكيرهم بالقاعدة المعمول بها في النظم الديمقراطية، مثل نظامنا، والتي تقضي بضرورة خضوع الأقلية لرأي الأغلبية.
وبهذا تكون "عملية الإصلاح السياسي" التي وعد بها وقادها جمال مبارك، قد وصلت إلى نهايتها، ويفترض أن يكون النظام السياسي المصري قد أصبح أكثر اتساقًا مع، وتعبيرًا عن "الفكر الجديد" الذي بشرنا به نجل الرئيس الحاكم منذ سنوات، فماذا بعد أن جفت البركة، بكسر الباء وتسكين الراء، وبانت معالمها، أو "زقازيقها" كما يقول المثل العامي؟.
للإجابة على هذا السؤال بما تقتضيه الأمانة العلمية الواجبة في الحكم على تعديلات دستورية يفترض أن تؤسس لمرحلة جديدة من مراحل تطور النظام السياسي المصري، يتعين علينا أن نميز من ناحية بين الطريقة التي جرت بها هذه التعديلات من حيث الشكل والقانون، وما تفصح عنه هذه التعديلات من ناحيةٍ أخرى من حيث الشرعية والمضمون.
فمن حيث الشكل والقانون، تعتبر هذه التعديلات صحيحة تمامًا ولا يمكن التشكيك فيها بأي حال من الأحوال، فرئيس الدولة هو الذي تقدم بطلب التعديلات مستخدمًا حقًّا يمنحه له الدستور صراحةً، صحيح أن هذا الأسلوب ليس هو الوحيد أو الأمثل لتعديل الدستور؛ حيث توجد طرق ووسائل أخرى أفضل، إلا أن استخدام رئيس الدولة صلاحياته وسلطته التقديرية لا يعد مخالفة قانونية حتى في حالة ثبوت عدم المواءمة السياسية للأسلوب المستخدم، وتمت مناقشة هذه التعديلات داخل مجلسي الشعب والشورى وتم إقرارها بالأغلبية التشريعية المطلوبة، وها هو الشعب يتهيَّأ ليقول كلمته في هذه التعديلات من خلال عملية اقتراع سري، وحين يعلن وزير الداخلية غدًا أو بعد غد، وهو حتمًا سيعلن، أن الشعب أقرها بالأغلبية المطلوبة، ستكون التعديلات الدستورية قد استوفت شكلاً كل الإجراءات القانونية المنصوص عليها في الدستور.
أما من حيث الشرعية والمضمون، فالأمر مختلف تمامًا، إذ تبدو هذه التعديلات في تقديرنا فاقدة المشروعية، وبالتالي باطلة بطلانا مطلقًا، من ناحية، كما تبدو متخلفة وتمثل بالتالي انتكاسة ديمقراطية من شأنها زيادة حالة الاحتقان السياسي القائمة في البلاد، بدلاً من انفراجها، من ناحيةٍ أخرى.
فقدان التعديلات الدستورية الأخيرة مشروعيتها يقوم على دليلٍ واضحٍ، وهو أن مجلس الشعب الذي أقرَّها جاء بانتخاباتٍ مشكوكٍ في نزاهتها أصلاً، ويكفي أن نُقارن بين نتائج المراحل الثلاث لانتخابات مجلس الشعب الأخيرة لنصل إلى قناعة مفادها أن نتائج المرحلة الأولي، والتي حصل فيها الحزب الحاكم على حوالي ٣٨% من المقاعد والأصوات، كانت هي الأقرب للتعبير عن حقيقة الأوزان النسبية لخريطة القوى السياسية في مصر في تلك اللحظة، أما النتائج النهائية لتلك الانتخابات فلم تعكس سوى إصرار
