خالد حفظي

 

بقلم: م. خالد حفظي*

في أحد البرامج التليفزيونية، سألت المذيعة ضيفها (المثقف) قائلةً: أنت زرت "إسرائيل" في السنة الأخيرة خمس عشرة مرة.. ما تعليقك؟! فردَّ هذا (المثقف) قائلاً: أنا أزور "إسرائيل" بصفتي مثقفًا!!!, وأذهبُ لأمثل مصر كلما وجدتُ مقعدها خاليًا في أي مناسبةٍ أو مؤتمر!!، تأملوا.. خمس عشرة مرة في سنة واحدة؟!!! لماذا؟، في حدود علمي أنَّ الرواتب عادةً تُدفع شهريًّا, والسنة عند خلقِ الله جميعًا اثنا عشر شهرًا، ولكني قلت لنفسي: مَن يدري.. لعل السنةَ العبرية خمسة عشر شهرًا!!!.. ثم وجدتني بعد ذلك أقول: إن كانت الثقافة هكذا فلعن الله ثقف ويثقف ومثقف وثقافة، وكل ما اشتق من مادة "ثقف".

 

مسكينة والله هي الثقافة.. مسكين والله هذا الوطن.. ومسكين والله هذا الشعب الطيب الصبور.. المُبتَلى على الدوام في نخبه ومثقفيه، فقد وصل بنا الحال لأن يدعي أحدُهم أنه يذهب إلى الكيان الصهيوني بصفته مثقفًا، بل ويعد ذلك عملاً وطنيًّا!!!.

 

دفعني ذلك للتأمل مليًّا في العلاقة بين نفرٍ غير قليل من هؤلاء (المثقفين) وبين الأمة، أين يقف هؤلاء من قضايا الأمة المصيرية؟ أين يقفون من آلام الأمة وآمالها وطموحاتها؟، أين يقفون من التحديات التي تواجهها؟ أين يقفون من المكونات الأساسية لثقافتها؟ فوجدتُ نفسي أمام حالةٍ من التزوير والدجل والإرهاب الفكري في أوضح صورها يمارسها هؤلاء النفر تحت اسم الثقافة، وجدتُ نفسي أمام حفنةٍ من الناس ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا مجرَّد سماسرة ومسوِّقين لثقافاتٍ غير ثقافتنا، أًيًّا كانت هذه الثقافات وأيًّا كانت مشاربها، وجدتُ فريقًا لتسويق ما يُمكن أن نُطلق عليه روبابيكيا فكرية وثقافية، وجدتني أمام جمعٍ من العقول يولي وجهه شطر من يدفع، وماذا يريد أن يقول لنا هذا الذي سوف يدفع، وجدتني، وقدً أتى علينا حين من الدهر صارت فيه كلمة (مثقف) مرادفًا لكلِّ متنكرٍ لثوابت الأمة ومحاربًا لها، وصار مثقفًا كل مَن يحمل معولاً يهدم به منظومة القيم التي ترسخت في وجداننا وتربينا عليها على مرِّ العصور، وصار كذلك مثقفًا من يطنطن ويصدع أدمغة الناس بكلام غير مفهوم، برغم أن مكونات كلامه هي أحرف العربية، وكلما زاد الغموض وزاد التنكر لثوابت الأمة وعقيدتها علت أسهم هذا (المثقف) وتفتحت أمامه المغاليق، وكثيرًا ما سمعنا في شبابنا عن نظريات الإسقاط اللاعمودي على الأرض اللاإستوائية، ونظريات الزحف البروليتاري على أنقاض الطبقية البرجوازية العالمية...!!!، وما أكثر الذين ضلوا وأضلوا كثيرًا من الناس بوعدهم بالفراديس فوق الأرض بدلاً من الفراديس التي في السماء، وهكذا استمر الحال طالما كانت أبواب الكرملين مفتوحة، فلما أفل ولى القوم وجوههم وعقولهم وجيوبهم كذلك إلى حيث الدولار والشيكل، وجدت من صدعوا أدمغتنا بمعاركهم الوهمية في مواجهة قوى الإمبريالية العالمية هم أنفسهم.. نفس الوجوه الكالحة.. هم مَن يحجون إلى البيت الأبيض ويرتمون في أحضان العم سام، واسألوا إن شئتم عن أبطال (السلام) في كوبنهاحن وتل أبيب.

 

لقد تعلمنا فيما تعلمناه أن الثقافة هي جملة الأفكار والقيم والمعتقدات والسلوكيات وأنماط الحياة التي تآلف عليها جماعة من الناس- أي جماعة- وارتضوها فيما بينهم منهاجًا لحياتهم وسمة مميزة لهم عن باقي المجتمعات، وعليه فإنَّ مثقف هذه الجماعة هو مَن يعمل على ترسيخ هذه القيم والمفاهيم بين أبناء جماعته، وهو الذي يعمل دائمًا على الدفاع عنها ورفع لوائها؛ ذلك أن ثقافة هذه الجماعة هي هويتها وهي علامة وجودها، وأي محاولةٍ للنيل من هذه الهوية هي محاولة للنيل من وجود الجماعة ككل، هذا المفهوم للثقافة ليس من عندياتي أو من بنات أفكاري، إنما حددته منظمة الثقافة والتربية والعلوم التابعة للأمم المتحدة (اليونسكو) من خلال إعلان مكسيكو في 1982م "إن الثقافة بمعناها الواسع، يمكن أن ينظر إليها اليوم على أنها جميع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعًا بعينه أو فئةً اجتماعيةً بعينها، وهي تشمل الفنون والآداب