بقلم: سامي محمد العدواني*

ما يجري في موريتانيا يستحق الإجلال والاحترام، حراك يبعث في النفوس الأمل، ويزيل عنا ركام الملل الذي أصابنا؛ نتيجةً لجمود خيارات الإصلاح وتناقص فرص التبديل والتغيير.

 

إنها حقيقةٌ ماثلةٌ تكتمل صورتُها يومًا بعد يوم، فتزيد نضارةً وتتلقَّى بهجةً، وتبعث في صحرائها روحًا أخرى ونظرةً مغايرةً عن لوثة الصورة التي استمرَّت جاثمةً عشرات السنوات.. قمع فيها كل صوت للحرية ومطالب بالتعددية وقابل بالمدنية وقانع بالتحضُّر والتنمية سنوات أفسدت هواء الشعراء والعلماء في بلد العلم والأدب التي لم يراعِ إرثها ولم تقدّر قيمتها الحضارية في المسار الإنساني؛ فهي التي كانت تحكم يومًا غرب إفريقيا وهي التي ما اندرست فيها أجيال العلم مذ قامت قائمتها وعلَت في سماء العلم رايتها".

 

بهذه العبارات المتدفِّقة العفوية المليئة بالحماسة نقلتُها لشاب توسَّمت فيه الخير من أبناء هذا البلد الواعد، جاءنا زائرًا مع والده العالم الجليل عبد الله بن بيه نائب الرئيس الموريتاني الأسبق؛ حيث تدرَّج حتى تقلَّد هذا المنصب قبل عهد القمع وحكم الاستبداد، وعندما أدرك رصدي ومتابعتي للشأن الموريتاني واعتزازي بتجربتهم السياسية أفضى إليَّ بكثير من الخصوصيات التي زادت من عمق اطلاعي وتبصري في واقعهم، وعندما اطمأن لي أكثر أسرَّ إليَّ بطبيعة دوره النافذ في الأحداث التي ساقت الأمور لهذا الوضع.

 

حتى إن والده نصحَه بترك السياسية والابتعاد عن رحاها، لكنه استأذن أن يتعلَّم من تجربته الفردية الذاتية، وأن لا يحرمه من حكمة رأيه ورجاحة وعيِه، خاصةً أن الرئيس المنتخَب الجديد كان زميلاً وصديقًا لوالده عندما كان الأخير وزيرًا للعدل، فقلت له: "سنراك إذًا في الحكومة القادمة وزيرًا على الأقل"، فردَّ بابتسامة ثقة عبَّرت عن تمكُّنٍ واقتدارٍ قال: أتطلع لأكثر من ذلك.. أتوقع رئاسة الجمهورية في مرحلة من المراحل!!

 

بهذه الروح يعيش كثيرٌ من الموريتانيين اليوم على أهازيج الحرية والتعددية، إن إشاعة هذه المناخات ساهم بتحريك الجماهير نحو المطالبة بالإصلاحات، ورفع سقف طموحاتهم، بل وتوقُّعاتهم من مشروع الدولة؛ الأمر الذي سيُحدث حالةً من التدافع الحضاري نحو البناء والتنمية، وتضييق الفجوة بين المأمول والواقع، وهذا بالتأكيد ما نترقَّبه جميعًا كمهتمين ومتابعين للتجربة الموريتانية.

 

ما أخشاه على هذه التجربة أن يستعجل أربابُها قطافَها، وأن يتنبَّهوا لحجْم التحدي، وتشابك الملفات التي تحيط بالواقع الموريتاني، فهي اليوم تملك الكثير من مفاتيح التنمية وثرواتها واعدة وآخرها النفط.. هذا سيجعلها مطمعًا للدول والمؤسسات الفاسدة التي تلوِّث بقدومها المجتمعات الإنسانية، وأقصد هنا بالفساد السياسي والمالي والأخلاقي، وملف آخر أكثر تعقيدًا هو العلاقة التي تمَّ بموجبها التطبيعُ مع الكيان الصهيوني، والذي زاد من عزلة موريتانيا عربيًّا وإسلاميًّا وأضرَّ بعلاقاتها الدولية؛ فيحتاج إلى الكثير من الحكمة والتدرُّج في المعالجة.

 

بخلاف ذلك فإن التحدي الاجتماعي يفرض نقْلَ هذا الشعب الذي يعانق الصحراء ويلتحف السماء إلى بلد عصري السمة والطابع، محافظًا على أصالته وميراثه الزاخر عبر برامج عملية يمكن أن تُسهم في اختصار الوقت الذي يشكِّل التحدي الأهم في نظري؛ لأن التباطؤ أو الاختزال قد يفضيان إلى الفوضى والاختلال.

 

أتمنى من كل قلبي لهذا الشعب الكريم أن يرفل بأثواب العزّ والمجد، وأن نتعلم كمجتمعات إسلامية وإنسانية من تجربته السياسية كما تعلمنا من علمائه ومبدعيه.. شاركني قارئي العزيز هذه الفرصة وترقَّب معي اكتمال الأمل!!

----------

* باحث إسلامي-  s-adwani@hotmail.com