فهمي هويدي

هذا المقال للكاتب الكبير فهمي هويدي كان من المفترض نشره في صحيفة "الأهرام" أمس.. ولكنه لم يُنشر..
أجب عن السؤال التالي: بماذا تفسر أن الذين تشبثوا بالنص على المواطنة في أولى مواد الدستور المصري، كانوا هم أنفسهم الذين مرروا نصًّا آخر يفتح الباب على مصراعيه لإهدار بعض من أهم حقوق المواطن المصري؟
(١)
ذلك أن المراقب عن بُعد، لا بد أنه استشعر درجةً عاليةً من الطرب والنشوة وهو يتابع المناقشات التي جرت في لجان مجلس الشعب وعبر وسائل الإعلام المختلفة، والتي دارت حول حظوظ "المواطنة" في تعديلات الدستور، وهي التي تراوحت بين مَن تمسكوا بالنص على المصطلح في صلب المادة الأولى من الدستور، وبين مَن دعوا إلى إيراد المعنى وتقرير المبدأ في تلك المادة.
افتح هنا قوسًا لأذكر بأنني عبَّرت في أكثر من مناسبةٍ عن رأيي في المسألة، قلتُ فيه إننا بفتح ملفات المواطنة والدولة المدنية نعيد اختراع العجلة؛ بمعنى أننا نستدعي بديهيات استقرت في الخبرة الإنسانية، ولم تعد موضوعًا للجدل والمماحكة.
فلم يعد هناك عاقلٌ يعارض فكرة المواطنة أو ينكر مدنية الدولة، التي لم تعرف غيرها مجتمعاتنا العربية والإسلامية بامتداد تاريخها، وقلت إنها شأن غيرها من العناوين البديهية، فإن المناقشة الجادة حولها ينبغي أن تتجاوز السؤال: "ماذا"، الذي عرفنا إجابته، إلى السؤال: "كيف"، الذي يفترض أن توضح لنا إجابته سبل تنزيل تلك العناوين على الواقع، بحيث تترجم إلى حقوق وواجبات وضمانات تحميها.
وإذ يلحظ المراقب أن التمسك بفكرة المواطنة، اقترن بالإلحاح على مدنية الدولة، فلا بد أن يتفاءل خيرًا ببقية التعديلات، متوقعًا أنها ستكمل المشوار من خلال رفع سقف الحريات العامة لجميع "المواطنين"، وتوسيع قاعدة الدولة المدنية بما تقيمه من أبنية وهياكل وتقاليد، غير أن ذلك التفاؤل سرعان ما يتبدد، وتحل محله حيرة بالغة، خصوصًا حين تستوقفه المادة ١٧٩ التي أعتبرها أخطر ما في التعديل الدستوري، على الأقل من حيث إنها أقرب المواد المعدلة إلى المواطنين، وأكثرها مساسًا بحقوقهم المدنية.
(٢)
في التعديل الذي تمَّ إقراره، ويفترض أن يصوت مجلس الشعب عليه- أمس- (الثلاثاء) بصورةٍ نهائية، تنص المادة ١٧٩ على ما يلي: "تعمل الدولة على حماية الأمن والنظام في مواجهة أخطار الإرهاب، وينظم القانون أحكامًا خاصة بإجراءات الاستدلال والتحقيق التي تقتضيها ضرورة مواجهة تلك الأخطار؛ وذلك تحت رقابة من القضاء، وبحيث لا يحول دون تطبيق تلك الأحكام الإجراء المنصوص عليه في كلٍّ من الفقرة الأولى من المادة ٤١ والمادة ٤٤ والفقرة الثانية من المادة ٤٥ من الدستور.
ولرئيس الجمهورية أن يحيل أي جريمةٍ من جرائم الإرهاب إلى أي جهة قضاء منصوص عليها في الدستور أو القانون".
هذا النص يثير مزيجًا من الحيرة والقلق، فنحن إذا تغاضينا عن الاضطراب والخلل في شقه الأول، فسنجد أنه استحدث بعد ذلك موقفًا مدهشًا من الناحيتين القانونية والسياسية، إذ اعتبر أن قانون الإرهاب مقدم على مواد الدستور الثلاث، وذلك أمرٌ مستغرب؛ لأن المفترض أن الدستور هو أبو القوانين، وبالتالي فإنه في حدوث التعارض، فإن نصوص الدستور هي التي تغلب، وليس نصوص القانون، ثم إن المواد الثلاث التي أجاز التعديل تعطيلها لصالح تنفيذ القانون تتعلق بعناصر أساسية في حريات الناس وضماناتها.. كيف؟
تنص الفقرة الأولى من المادة ٤١ الم