د. حلمي القاعود

 

من إفرازات الأنظمة العسكرية والبوليسية الفاشية، نشوء نخب مُهيَّأة لفعل الشيء ونقيضه، بدءًا من وزراء تشابه الأسماء، وكُتَّاب التقارير في آبائهم وأزواجهم حتى أمناء الشرطة الذين يتحولون إلى أبواق مأجورة، لا تخجل من تناقضاتها وعمالتها!

 

في "القدس العربي" 17/3/2007م، عرض لكتاب ألفه الشاعر العراقي الراحل "بدر شاكر السيَّاب" بعنوان: "كنت شيوعيًّا" ظهر مؤخرًا بألمانيا، وفي هذا الكتاب يفضح السيَّاب رفاقه الشيوعيين وتناقضاتهم التي وصلت إلى حدِّ توزيع منشورات تخدم الصهيونية (!) وكتابة التقارير ضد بعضهم وأصدقائهم، للإيقاع بهم وإدخالهم المعتقلات والسجون.. لا يختلف الشيوعيون العراقيون عن الشيوعيين المصريين.. أوجه التشابه بينهم عديدة وكثيرة تصل إلى حدِّ التطابق في الفكر والسلوك، وإن كانت الوقائع تختلف باختلاف المكان والزمان!

 

أعرف حالةً دالة، كان الرفيق الشيوعي، أمين شرطة في أحد أقسام القاهرة القديمة، والتقطه أحد رفاقه بعد خروجه من المعتقل، واستكتبه في صفحته الثقافية، حتى صار صحفيًّا بإحدى الصحف القومية- عفوًا.. الحكومية- وبعد التقاعد جلس في قهوة "الشمس" بنقابة الصحفيين.

 

في بداية حياته كان صاحبنا إخوانيًّا، وعندما لم يجد لدى الإخوان ما يُشبع طموحاته تركهم، وانضم إلى الشيوعيين وصار كادرًا مهمًّا، يكتب عن الكادحين والفقراء وعزبة القرود.. وظل ماركسيًّا متشددًا يلعن الإمبريالية الأمريكية والبرجوازية المتعفنة؛ والحكومة اليمينية العميلة! حتى دق الحظ بابه في "قهوة الشمس".

 

لقد أُتيح له أن يسطو على منصبٍ ثقافي، كان أحد أقاربه موعودًا به، فأثبت جدارةً غير مسبوقة في خدمة النظام البوليسي الفاشي، ومخطط أمريكا الاستعمارية، وبرجوازية الحديد والأسمنت والأغذية الفاسدة، وثقافة هز الوسط والإباحية.

 

لم يكن غريبًا أن يكون الرفيق الشيوعي السابق، المتأمرك الحالي، من أهم الكوادر التي تخطط لاستئصال الإسلام وتشويهه والتشكيك في قيمه، من خلال ما يكتبه، وتجنيد نفايات الشيوعيين الذين تأمركوا وأشباههم، لشنِّ الحملاتِ الغبية ضد الإسلام ورموزه ومبادئه وتشريعاته، مع اصطياد بعض السلوكيات التي تُعبِّر عن أصحابها ولا تُعبِّر عن الإسلام بحالٍ، لتقديمها للعالم بوصفها الإسلام ومعطياته.. وهو يعلم أنه كذَّاب كبير!

 

لم أفاجأ باسمه ضمن المائة شيوعي المتأمرك الذين قدموا بيانًا إلى رئيس الدولة لإلغاء الإسلام من الدستور، أو المادة الثانية تحديدًا؛ لأنهم يرون الإسلام عنصر فتنة بين الأغلبية الساحقة وبين الأقلية التي عاشت الإسلام حضارةً وثقافةً بعد أن حرَّرها من قهر الرومان، وأعاد إليها دينها، وبطريركها الهارب.. كما يرون الإسلام ينتقص من حقوق المواطنة، ويمثل "خميرة" إرهاب ضد الدولة المدنية.. متغافلين عن الدولة البوليسية الفاشية التي يخدمونها خدمة العبد لسيده، نظير فتات لا يُساوي لحظة شرف وكرامة يعيشها الإنسان- أي إنسان- في مواجهة فاشية الدولة الظالمة التي تضرب بالقانون والدستور عرض الحائط، وتحكم الشعب البائس بالأحكام العرفية طوال نصف قرن أو يزيد.

 

ومشكلة النخب العميلة في بلادنا المقهورة بالفاشية البوليسية أنها لا تجد أمامها عدوًّا غير الإسلام، الذي هو بالمناسبة العدوِّ الأخضر للدولة الصليبية الاستعمارية الأولى في العالم أعني الولايات المتحدة، فتركز على محاربته أملاً في الخلاص منه، وتحويل البلاد إلى مساحة مستباحة، لمَن يهمهم الأمر.. أمر الاستباحة، والنهب، وإذلال البشر.

 

تقول الفقرة السادسة من بيان المائة الذي دعا إلى استئصال الإسلام من الدستور من خلال المادة الثانية من الدستور، التي صاغتها يد أمين الشرطة المتسلق أو من يُشبهه في النخبة:
(إن تجربة ربع قرن من سر