بقلم: أبو بكر سليمان*

حسنًا فعل النواب المستقلون الذين ينتمون إلى حركة الإخوان المسلمين في مصر بعدم تقديم استقالاتٍ جماعية من مجلس الشعب؛ احتجاجًا على التعديلات الدستورية المثيرة للجدل (كما كان يطالب بعض النواب المستقلين الآخرين وبعض أعضاء حركة كفاية).. إن التفاعلية الإيجابية هي دائمًا أفضل الخيارات المتاحة, والتعبير من خلال المؤسسات القائمة حتى لو كان منقوصًا أفضل من الانسحاب وترك الساحة للآخرين.

 

وتشير التجارب في هذا المجال إلى هذا الأمر- سواءٌ كان في الجزائر أو الأردن أو غيرها من التجارب- إلى أن الساحة السياسية تحتاج إلى الإخوان المسلمين وغيرهم من المخلصين من أجل الدفاع عن المبادئ الديمقراطية والحريات المختلفة وحقوق الإنسان المصري، والذي عاش في سنواته الماضية تحت ظروف وقوانين وممارسات إذا ما قُورنت مع معايير الغرب ستوصف بأنها جائرةٌ وبوليسيةٌ وغير ديمقراطية.

 

من الواضح أن التعديلات الدستورية يُراد بها في الأساس خاصةً في بعض المواد الاستئثار بالسلطة من جانب الحزب الحاكم وعزل المنافسين السياسيين الآخرين والتكريس لنمط الحكم السائد في البلاد, وكان من الأجدر بالحزب الحاكم أن لا يستقوى بالأكثرية النيابية في المجلس والتي حصل عليها أصلاً بطرقٍ مثيرةٍ للجدل ومستهجنة من الكثيرين, كان من الأفضل أن يتوافق مع الآخرين في الساحة السياسية من أحزابٍ ومستقلين وقيادات سياسية وشعبية لإقرار أية تعديلات دستورية جوهرية مثل التي يجري تعديلها.

 

ومن جانب آخر تشكَّل لديَّ ولدى الكثير من المراقبين علامات استغراب من نواب الحزب الحاكم وأكثرهم من الذين فازوا كمستقلين ثم انضموا في ما بعد إلى الحزب الحاكم كيف يسمحون لأنفسهم بالاشتراك في هذه المسرحية التي قد تضر بالجيل الحالي والأجيال القادمة لمصر, وقد تؤدي لواقعٍ سيئٍ في الممارسات السياسية والحقوقية للشعب المصري، والذي في رأيي يستحق أفضل من هذا الواقع بل يستحق أفضل المعايير الديمقراطية المعمول بها في العالم ويستحق المزيد من الحريات والحقوق والمكتسبات.

 

من جانبٍ آخر أرى أن الساحة ما زالت تسمح للإخوان والمستقلين الآخرين في أن يستمروا في المعارضة السلمية لهذه التعديلات، وأن يبتكروا في ذلك الأساليب المختلفة لتوجيه الأنظار وإقناع الشعب المصري بعدم جدوى هذه التغييرات، وليكن شعارهم مائة وسيلة ووسيلة في معارضة التعديلات، وليكن هدفهم إسقاط هذه التعديلات من خلال الاستفتاء أو لو استطاعوا أن يطوروا من الأمور بطريقةٍ سلميةٍ ويزيدوا الضغط على الحكومة لكي تعلق الإجراءات وتُرجئها إلى وقتٍ آخر ثم تعيد الأمر للمجلس مرةً أخرى لتكون أية تغييرات تحت توافقية شعبية عامة لكل تيارات الشعب المصري.

 

إن المواطن المصري لا بد أن يعي أن هذه التغييرات ليست في صالحه من أجل ذلك لا بد أن تبسط له الأمور وتكون قريبةً من فهمه وقريبة من اهتماماته, إن المواطن المصري لا يتوقع منه أن يدافع عن الإخوان من أجل الإخوان؛ لذلك لا بد أن تنفتح الحركة بشكلٍ يسمح لها أن تتفاعل أكثر مع المواطن العادي وبالتالي يستطيع هو أن يدافع عن مبادئها، وأن يفتخر في الانتماء إليها، وهذا يتطلب أن تنفتح مظلة أكبر في استيعاب الشرائح المختلفة، وكذلك القيادات الفكرية والسياسية الأخرى في المجتمع، والتي تكون قريبةً من فكر وأداء الإخوان المسلمين, من جانبٍ آخر سيكون من المفيد أن تستمر الحركة في منهجها في التفاهمية والتوافقية مع الآخرين بما في ذلك الحزب الحاكم, ولا بد في النهاية لأن يتوصل الشعب المصري إلى صيغة تضمن للجميع أن يتعاملوا مع بعضهم البعض في ظل شراكة سياسية وتبادلية سلمية للسلطة بعيدة عن سياسة الإقصاء ونبذ الآخر, إن تجربة حماس الفلسطينية وإن كانت في أولها إلا أنها تكرس هذا المفهوم في إيجاد صيغة توافقية بين الحركات الإسلامية والحركات العلمانية في المجتمع تضمن اهتمام أكبر نحو المبادئ والثوابت والقيم من جانب وقي نفس الوقت تضمن الاستفادة من رصيد التجربة والتاريخ في الحكم المدني وإدارة الدولة والعلاقات مع الآخر والتي تكونت لدي القيادات العلمانية على مر السنين من جانب آخر.

 

وأيضا على الشعب أن يكون بقدر المسؤولية و أن يسعى لكي ما يسجل موقفاً تاريخياً في الانحياز للحق والحقوق, وأن ينفلت من القبضة الحديدية ويفك أسره بيده بل بصوته وكلمته, وأنا في رأيي أن الشعب المصري إذا ما وضع تحت هذا الخيار فهو أهلاً لأن يكون مثالاً للشعب الحر صاحب القرار المتميز.

 

أقول ذلك لأنه لا بد أن يتحقق ذلك، فالشعب المصري هو مرآة الشعب العربي بكليته فإذا ما تقدَّم بفكره وأدائه وتمسكه بحقوقه انعكس ذلك على بقية الشعوب العربية وإذا- لا سمح الله- كانت الأخرى, كانت الطامة على الجميع.

 

وعلى المجتمع الدولي أن لا يقف موقف المتفرج فالعالم الغربي يتشدق دائمًا بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وهنالك العشرات من منظمات حقوق الإنسان تستطيع أن تتحرك في اتجاه الضغط نحو إيقاف هذه التغييرات غير الجيدة ولا بد أن يدافع المجتمع العالمي عن المعايير السليمة للديمقراطية وحقوق الإنسان, وينبغي له أن يقدم العون والمشورة والدعم للشعب المصري، والذي فعلاً يحتاج إلى ذلك في هذه المرحلة المهمة من مرحلة الحراك السياسي.

 

في نفس الوقت على الإخوان المسلمين أن يثبتوا للعالم أنهم أهلٌ للديمقراطية، وبالتالي لا يتهربوا من الحوار مع الغرب خاصةً إذا كان هذا الحوار ضمن مؤسسات ومؤتمرات وندوات علنية ومنهجية واضحة تضمن التوصل إلى تفاهمية حول المبادئ الديمقراطية السليمة، وتضمن الالتزام بفكرة ومبادئ المجتمع المدني, وفي القريب جدد مركز كار نجي الأمريكي الدعوة للحركات الإسلامية للحوار, فلا ينبغي تفويت مثل هذه الفرصة كما فوتت غيرها, وكان بالإمكان أن يطلب الإخوان من هذا المعهد جدولة حوارات تصبُّ في هذا المعنى.

 

أخيرًا دعوة للرئيس المصري حسني مبارك لأن يتحمل مسئولياته التاريخية في إقرار ما هو خير لمصر وشعبها, وأن يترفع عن المشورات الضيقة التي تقدمها له البطانة السيئة، وأن يختم فترة حكمه بأمورٍ تُسعد الشعب المصري وتخلد اسمه في تاريخ القادة الإصلاحيين لا في تاريخ المناهضين للمبادئ الديمقراطية.

----------

* صحفي وباحث