هناك الكثير من المؤشرات التي رصدها المراقبون حول اكتمال ضرب بعض المنشآت الإيرانية، وهذه المؤشرات تزايدت، كما أن التكهُّنات بشأنها بدأت منذ أربع سنوات حتى أصبح المراقب يردِّد تقريبًا ما يَظهر تباعًا من هذه المؤشرات، دون أن يكون لديه ترجيحٌ قاطعٌ بأن ضربَ إيران أو التقاربَ مع إيران هو الحلُّ، ولكنني في هذه المقالة أريد أن أنحوَ منحًى مختلفًا، وأن أقرِّر أن الولايات المتحدة- وبقطع النظر عن وجود الكيان الصهيوني كلاعب أساسي في هذه القضية بالذات- لا تميل إلى اتخاذ إيران شريكًا ولو محدودًا في السياسات الإقليمية في الخليج، وأن البديل هو قمعُ وقهرُ القوى الإيرانية، سواءٌ من الداخل أو بهجوم من الخارج.

 

هذا الافتراض يرجِّح إسقاط النظام، سواءٌ بضربات عسكرية أو بتآكل داخلي أو بهما معًا، بقطع النظر عن الوقت الذي يمكن أن تُثمر فيه هذه العملية المعقَّدة، وقد ظهرت بعض المؤشرات البعيدة، وكان أبرزها قرار الإدارة الأمريكية بتدريس الثقافة واللغة الإيرانية الفارسية في المخابرات الأمريكية، ومعنى ذلك أن الولايات المتحدة تخطِّط لكي تبقى في الخليج وفي إيران بالذات لأجيال قادمة، ويبدو أن واشنطن تَعتبر إيران أحد المفاتيح الأساسية للقضاء المبرَم على القوة الروسية؛ ولذلك لا نظن أن واشنطن تحتفل كثيرًا بالخلاف الذي ظهر مؤخرًا بين إيران وروسيا.

 

وهناك عامل آخر يدعو إلى تأكيد افتراض أن واشنطن لن تقبل التعاون مع إيران الثورة، وأن سعيَها إلى إخضاعها وليس إلى التفاهم معها هو الأرجح، أما هذا السبب الآخر فهو سبب ثقافي تاريخي، ذلك أن إيران تذكِّرني باليابان التي انتصرت على روسيا في عام 1905م، فكان ذلك نذيرًا سيِّئًا لدى الغرب بأن دولةً شرقيةً انتصرت على دولة ليست غربيةً تمامًا ولكنها تقع في جزء كبير منها في الغرب وفي الحسابات العامة تُحسب على الغرب، رغم أن قضية تبعية روسيا للغرب من عدمه قضيةٌ لا تزال جدليةً حتى الآن، بصرف النظر عن القضايا العالقة بين روسيا الاتحادية والولايات المتحدة في المسائل الدفاعية والاستراتيجية.

 

وقد ركزت الدراسات التي ظهرت بعد 1905م- وخاصةً بعد اتفاقية السلام في بورت ثموث البريطاني في نفس العام- على أن الشرق بدأ يظهر كقوة عسكرية، وهو ما حدث بالفعل فإن اليابان تنامت قوتُها العسكرية بعد ذلك حتى فوجئت واشنطن في الحرب العالمية الأولى أن اليابان قوةٌ عسكريةٌ معتبرةٌ مؤثرةٌ، وأنها تستطيع أن تلعب دورًا في منطقتها؛ مما أذهل الاستراتيجيين الأمريكيين خاصةً في مؤتمر واشنطن البحري عام 1922م الذي دُعِيَت إليه اليابان.

 

وقد ظهرت دراسةٌ أمريكيةٌ في أوائل الخمسينيات تؤكد أن النزعة العسكرية اليابانية قد تنامت بشكلٍ متسارع، وأن مركز العسكريين في النظام السياسي الياباني كان متناميًا بنفس القدر؛ مما دفع اليابان إلى عدم احترام القانون في الداخل وفي الخارج أيضًا، وأوصت الدراسات الولايات المتحدة بأنها يجب أن تهتم بهذه الظاهرة الخطيرة كي تقمع القوة العسكرية اليابانية قبل استفحالها.

 

وليس سرًّا أن هجوم الطيران الياباني على بيرل هاربر في الثامن من ديسمبر عام 1940م لا يزال أمرًا غامضًا؛ لأن اليابان كانت في أوج قوتها العسكرية وكانت تسيطر على منطقة جنوب شرق آسيا بالكامل بما في ذلك الصين، ولم تكن بحاجة إلى استفزاز الولايات المتحدة في عقر دارها، فتظاهرت الولايات المتحدة بأنها هوجمت حقًّا، وأن هذا الوحش الكاسر والأسد الجريح يجب أن ينتقم لشرفه، وهو وضعٌ يشبه أحداث 11 سبتمبر التي اتخذتها الولايات المتحدة ذريعةً لكي تنقض على العالم العربي والإسلامي.

 

ولا يزال من غير المؤكد الأسباب التي دعت الولايات المتحدة إلى ضرب هيروشيما ونجازاكي بالقنابل الذرية بعد أن استسلمت اليابان في يونيو عام 1945م، أي قبل ضربها بشهرين كاملين، ولكن التفسيرات الأولية والتي تواترت حتى الآن تذهب إلى أن الولايات المتحدة ضربت اليابان بعيدًا عن أسباب يابانية ولكن لكي تعلن نفسها القوى العظمى الوحيدة في العالم لولا أن الاتحاد السوفيتي السابق لحق بها بعد ذلك بأربع سنوات لكي تبدأ مرحلة عاصفة من سباق التسلح وصلت إلى الفضاء بين العملاقين ولكن الولايات المتحدة فرضت على اليابان نمطًا سياسيًّا صارمًا حتى الآن فوضعت لها دستورًا خاصًا لم تجرؤ اليابان على تعديله حتى اليوم واعتبرت جيش اليابان مجرد قوة لحفظ الأمن وحظرت عليها كل أنواع الأسلحة الخطيرة ووضعتها تحت حمايتها بالكامل خصوصًا الحماية النووية.

 

فهل تقدم الولايات المتحدة على ضرب أصفهان مركز المنشآت النووية الإيرانية كما ضربت هيروشيما قبل هذا العام بأكثر من 62 عامًا بالقنابل الذرية أيضًا لمجرد أن إيران قد تجرأت صوابًا أو خطئًا على تحدي رأس القوة العالمية خصوصًا في منطقة بالغة الحساسية من حيث وجود البترول و"إسرائيل" وهما في مقدمة أولويات السياسة الأمريكية؟ وهل تدرك الولايات المتحدة حقًّا ما نعتقد أنه تحدٍ من جانب الشرق لأكبر قوة غربية؟، وهل تدرك اليابان أيضًا تطوُّر القوة الإيرانية على الجانب الآخر من آسيا؛ حيث تلتقيان معًا في أنهما أمم شرقية وأنهما معًا أعلنتا تحديهما للسيطرة الغربية.

 

بقي أن هناك فارقَين مهمَّين بين إيران واليابان، الفارق الأول أن إيران دولة إسلامية، وأن تحديها للغرب تصادف مع توحُّش القوة الأمريكية ضد الإسلام والمسلمين، وأما الفارق الثاني فهو أن إيران لم تعتدِ على القوة الأمريكية، فهل تعمد الولايات المتحدة إلى استدراج إيران لمهاجمة قواتها في العراق حتى تصدق النبوءة ويتكرر السيناريو؟ وهل يمكن اعتبار الاتهام الأمريكي لإيران بتزويد بعض القوى العراقية بقنابل بالغة القوة لضرب القوات الأمريكية كافيًا لتحقق أول أركان هذه النبوءة؟!

 

تلك تأملاتٌ عابرةٌ في قراءة أهم أحداث القرن العشرين، وهي الحرب العالمية الثانية، ودخول القدرات النووية إلى معترك السياسة العالمية، فهل تصبح أصفهان هذه المرة هي هيروشيما القرن الحادي والعشرين، وبذلك يصبح القرار الأمريكي بضرب إيران قدرًا مقدورًا حكمته أوضاع ثقافية تاريخية أشمل من دواعي اللحظة ومتطلبات الحوادث المتكاثفة في منطقة الخليج؟!