لأمرٍ ما كشف الصهاينة عما أدلى به رئيس وزرائهم أولمرت أمام اللجنة التي تشكَّلت للتحقيق في أداء الجيش الصهيوني في لبنان، وبالطبع فإن التحقيق لا يشمل الجرائم الصهيونية وإنما يشمل الظروف التي دفعت الكيان إلى ارتكاب كلِّ هذه الجرائم دون نتيجة؛ مما أدى إلى آثار بالغة الخطر على مستقبل الكيان بسبب عجز جيشه عن تحقيق المخطَّط الإجرامي الذي يقوم عليه خاصةً في لبنان في صيف عام 2006م.
ومعلومٌ أن مثل هذه اللجان لا تُنشر كلُّ تحقيقاتها ولا نتائج هذه التحقيقات، وإنما يُعلَن عما يسمح الإعلان عنه منها، وما سُمح به من تصريحات أولمرت بالغ الخطورة يجب أن يُدرس دراسةً دقيقةً من الجانب العربي ومن المراقبين الدوليين، وفي هذا الصدد نركز على مقولتين أساسيتين:
المقولة الأولى: هي أن الهجوم على لبنان في الثاني عشر من يوليو 2006 قد بدأ بعد ساعاتٍ قليلةٍ من خطف حزب الله لجنديين صهيونيين في منطقة الحدود بين البلدين، ويومها قال الكيان وصدَّقته بعضُ الحكومات العربية مما أكد له ما زعمه من أن حزب الله قد دخل أراضيَه وخطفَ جنودَه الصهاينة وهم في ثكناتهم آمنون، وبذلك فقد انتهك السيادة الإقليمية للكيان واعتدى على جيشه "الآمن الوديع"!!
وقد أكدت مصر والأردن والسعودية يومها أن حزب الله هو المعتدي، وأن الفتنة النائمة لعن الله مَن أيقظها، وأن حزب الله بذلك لم يقترف فقط إثمًا في مواجهة الكيان وحده، وإنما ارتكب خطأً جوهريًّا في حق الحكومة اللبنانية؛ لأنه كان يريد أن يشنَّ حربًا على الكيان من طرف واحد، وأنه لذلك قام بعملية الخطف لاستفزاز الصهاينة وهو مستعدٌّ كل الاستعداد لردِّ الفعل.
وخطأ حزب الله في نظر هذه الدول والكيان أيضًا هو أنه على حدِّ تعبير الرئيس مبارك لم يستَشِر غيره من شركاء السلطة في لبنان الذين تحمَّلوا مسئولية تدمير لبنان بعد ذلك أو التشاور مع العقلاء الآخرين في المنطقة العربية، وبناءً على ذلك تمكَّن الكيان طوال العدوان على لبنان من الاستناد إلى الحجَّة التي دفعت به إلى الخطاب العربي السياسي والإعلامي، وصدَّق نفسه بعد أن اطمأنَّ إلى براءتهم في ترديد منطقه، إلى حدِّ أن الرئيس مبارك اعتبر أن ما قام به حزب الله مغامرةٌ غيرُ محسوبة، وردَّ عليه حسن نصر الله بأنه مغامر ولكنه يرجو أن تُترك الساحة بين حزب الله والكيان لتقرير المصير.
هذه الحقيقة التي أكدتها تصريحات أولمرت والتي كذبت الزعم الصهيوني لا بد أنها تلفت نظر الزعماء العرب الذين صدقوها، وكان يجب على الكيان أن يعتذر لهم قبل إذاعة التصريحات وقبل أن يفاجئوا بها.
أما النتيجة الثانية الخطيرة- والتي تحتاج إلى مراجعة عاجلة من جميع جوانبها لو صحَّت النوايا وحسُنت المقاصد- فهي أنه إذا كان قرارُ مجلس الأمن 1701 قد بُنِي على هذا الزعم الصهيوني الذي بدَّدته تصريحاته أولمرت، وهو أن حزب الله هو المعتدي، وأن التدمير الذي لحق بلبنان كان جزاءً وِفاقًا لاعتداء حزب الله، وأنه لا يجوز للبنان أن يطالب بأي تعويضات من الكيان، كما أن الكيان ليس مضطَّرًّا للاعتذار إلى اللبنانيين.. فإن الحقيقة الجديدة تحتاج من السيد عمرو موسى- الأمين العام للجامعة العربية- بأن يعتبر هذه الحقيقة مدخلاً للتسوية في لبنان، وأن يطالب بإعادة النظر في قرار مجلس الأمن 1701 الذي تمَّت صياغته وتسخيره بالكامل ضد حزب الله، ما دامت تصريحات أولمرت هي شهادةَ براءة لما لَحِقَ بالحزب في داخل لبنان وخارجه من افتراءات.
ولعل هذه الحقيقة تُقنع ساسة لبنان في معسكر الحكومة بأن الذي انتصر في الحرب هو لبنان من خلال حزب الله، وأن حزب الله أَولى بالمساندة، وأن إضعافه تقويةٌ للكيان وإضعافٌ للبنان، وأنه ليس صحيحًا أن إضعاف الكيان للحزب يتضمَّن تمكينًا لخصومه من تسوية يختفي فيها الحزب، بل إن هذا الكشف يضيف بُعدًا أخلاقيًّا لمساندة سوريا وإيران لحزب الله.
والمؤلم أن الخطاب العربي الإعلامي والسياسي لم يُعِرْ التفاتًا إلى تأكيد حسن نصر الله لنفس الحقيقة فورَ العدوان، والتي ظل الكيان ينكرها ويُظهر عكسها حتى صدور هذه التصريحات، وهي أن الحزب لم يعلم إلا مؤخرًا بأبعاد المؤامرة، وأنه كان يعلن دائمًا عزمَه خطْفَ الأسرى الصهاينة كوسيلةٍ وحيدةٍ نجحت في الماضي للمقايضة على الأسرى العرب وأكثرهم فلسطينيون، وكان أجدر بالعالم العربي الذي ارتكب خطيئة السكوت على هؤلاء الأسرى أن يسانِدَ حزب الله في هذا المسعى أو أن يسكت على الأقل، ولكننا وجدنا أن الدول العربية المشار إليها تُظهر الحرص الفائق على إطلاق سراح جنود الأسرى الصهاينة، وإن قرنت جهودها لإطلاقهم بالمطالبة بإطلاق بعض الأسرى من الجانب الفلسطيني.
أما المقولة الثانية التي كشف عنها أولمرت في تصريحاته فهي لا تقلُّ خطرًا عن الأولى، وهي تأكيده بأن الهدف السياسي لعملية لبنان هو تطبيق قرار مجلس الأمن 1559.
خطورة هذه الملاحظة لا بد أن ترتبط بعدد من الإشارات:
- الإشارة الأولى هي أن الكيان خلال العدوان على لبنان قد أسْكَرتْه صورُ الدمار في لبنان، وظن أنه قاب قوسين أو أدنى من تحقيق النصر، وهو القضاء على حزب الله، وأنه نجح بالفعل في أن يوظِّف هذه الوحشية والدمار الناجم عنها لكي يعزلَ حزبَ الله عن قواعده وعن مؤيديه داخل الشعب اللبناني في مجموعه، رغم أن ما تصوَّرَه الكيان كان وهمًا، ولكنه أطلق بعض التصريحات الدالَّة في هذا السياق، وهي أن عملياته في لبنان تكتسب مشروعيتَها من أنها تهدف إلى تنفيذ القرار 1559 الذي يقضي بنزع سلاح حزب الله، ما دام القرار لم يجد طريقَه إلى التنفيذ، وأن الساحة اللبنانية قد استوعبت القرار دون أن تظهر النتائج المرجوَّة منه، بل على العكس ازداد الحزب قوةً وتسليحًا، وظلَّت قضية نزع سلاحه مجرد مسألة من مسائل الحوار الوطني اللبناني.
- أما الإشارة الثانية فهي شعور الكيان بأن قتْل الحريري لم يؤدِّ إلى تنفيذ هذا القرار, فقد صدر القرار في سبتمبر 2004 ولم ينفّذ، وقتل الحريري في 14 فبراير 2005، وتمكن الكيان والولايات المتحدة بهذا الاغتيال من تحقيق عددٍ من النتائج بانسحاب سوريا الفوري من لبنان والوقيعة بين لبنان وسوريا، وتمزيق الصف اللبناني على قاعدة الولاء أو العداء لسوريا، وتنصيب لجنة التحقيق والمحكمة سوطًا مسلطًا على سوريا لإرباكها.
ورغم عِظَم هذه النتائج بالنسبة للكيان، وأنها أحلام تحقَّقت في الواقع إلا أن هدفه الأساسي لم يتحقق، وهو القضاء على حزب الله، مؤدَّى هذه الإشارة لا بد أن يلتفت إليها براميريتز- رئيس لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري- وأن يربط هذه الملاحظة بما ورد في تقريره في ديسمبر 2006- وهو التقرير السادس للجنة التحقيق- من أن هناك عشرَ دولٍ من بينها الكيان لم تتعاون مع لجنة التحقيق، وأن سوريا لأول مرة خارج الدائرة، وأنها أشدّ تعاونًا من غيرها مع اللجنة.
- الإشارة الثالثة هي أنه إذا كان الكيان يحارب الشرعية الدولية في جميع مظانِّها فهو من باب أولى ليس مؤهلاً لتطبيق القرار 1559، الذي اعتبرناه جزءًا من الشرعية الدولية المقلوبة، وإذا كان القرار 1701 هو الأداة الثانوية الثانية الذي قصد بها تنفيذ القرار 1559 بعد فشل حادث اغتيال الحريري في تحقيق ذلك.. فإن إعادة النظر في القرار 1701 على ضوء الحقيقة الأولى التي أشرنا إليها يجب أن تقترن بتحميل الكيان المسئولية الكاملة عن العدوان والتخطيط له والتواطؤ الأمريكي عليه، ويجب أن تعتذر الدول الأعضاء في مجلس الأمن لحزب الله ولبنان على التضليل الذي نجح الكيان به في دفْع المجلس إلى إصدار القرار المذكور.
وإذا كان مجلس الوزراء اللبناني قد أصدر قرارًا في أكتوبر عام 2006 وكلَّف وزير العدل اللبناني بإعداد الخطط القانونية اللازمة للسعي للحصول على تعويضات من الكيان قفزًا على منطوق القرار 1701 فإن هذا القرار ربما يَشِي بأمرين:
- الأول هو أن الحكومة اللبنانية تعلم أن القرار بُني على أخطاء مقصودة وأغلاط متعمّدة كفيلة بإبطاله.
- الثاني هو أن الحكومة اللبنانية ليست مقتنعةً بأن تدمير لبنان كان جزاءً وفاقًا لما ادَّعت أنه تدبير بالعدوان من جانب حزب الله.
فهل نطمع في أن تتم دراسة تصريحات أولمرت على ضوء هاتين الحقيقتَين من جانب الأمانة العامة للجامعة العربية، والتحلِّي بالشجاعة الأدبية لتصحيح المواقف العربية واتخاذها مدخلاً، سواءٌ للتسوية داخل لبنان أو لردِّ الاعتبار لحزب الله، أو لتمكين لبنان من الحصول على تعويضات من الكيان، وألا يتم الاكتفاء بذلك، بل بالسعي إلى تقديم المجرمين الصهاينة، الذين ارتكبوا أعمال الإبادة في لبنان، واستعملوا اليورانيوم المخصب والقنابل العنقودية، وسلكوا سلوكًا وحشيًّا لا يليق ببني آدم إزاء الحرث والنسل في لبنان إلى محاكمة دولية عادلة؟!
بل هل نطمع بأن يتم تشكيل لجنة تحقيق دولية يَمثُل فيها العالم العربي للتحقيق في ملف العدوان الصهيوني برمَّته على لبنان؟! وألاَ يتفق القارئ معي في أن هذه الحقائق يجب أن تؤثِّر بشكل مباشر على مفاوضات إعادة الأسرى الصهاينة وربطهم بيقين بمصير الأسرى الفلسطينيين، الذين غيَّبهم الكيان في سجونها، وقدّرت لهم أقدارهم في غياهب هذه السجون؟!