يركز المراقبون منذ عام 2003م على ملف العلاقات الأمريكية الإيرانية تحت عنوان الملف النووي الإيراني، وقد تبيَّن للجميع أن الملف النووي الإيراني لا يعدو أن يكون عنوانًا لصراعٍ أكبر متعدد الجوانب بدأ منذ القطيعة الإيرانية الأمريكية في الرابع من نوفمبر عام 1979م المعروفة بأزمة الرهائن الأمريكيين؛ أي أن القضية تتعلق بمجمل العلاقات الأمريكية الإيرانية, فالحكم الإسلامي في إيران يريد أن يفرض نفسه ووجوده وأن يُعترَف به كطرفٍ في المعادلات الإقليمية بعد أن كانت إيران الشاه طرفًا أساسيًّا في معادلة القوة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق، وفي إطار المصالح الأمريكية والغربية في الخليج.
وقد أرادت إيران أن تلعب دورًا محوريًّا سواء في إطار السياسات الأمريكية أو خارج هذه السياسات، ولم يكن ممكنًا أن تلعب هذا الدور في إطار السياسات الأمريكية؛ لسبب بسيط وهو التركيز الطاغي في الخطاب السياسي والإعلامي الإيراني على معاداة الولايات المتحدة بكل ما تحمله هذه الكلمة من رموز وتداعيات؛ ولذلك كان الاقتراب الإيراني من الولايات المتحدة تحوطه الكثير من الألغاز.
والحق أن الولايات المتحدة قررت إزالة النظام الإيراني، وحاولت تطويعه؛ تمهيدًا لإزالته، وهي لا تطيق أن ترى نظامًا إسلاميًّا يحقق بعض النجاحات ويتقاسم السلطة معها ويجلس معها على مائدةٍ واحدة, فقد ألفت الولايات المتحدة أن تعامل دول المنطقة كسبايا ولم تتعود أن تتعامل مع أي طرفٍ على سبيل التفاوض والأخذ والعطاء؛ لأن الولايات المتحدة تعلم جيدًا أن الصراع بين إيران والولايات المتحدة معادلة صفرية، وأن كل نفوذ تحصل عليه إيران سوف يكون خصمًا من النفوذ الأمريكي، وما دامت الولايات المتحدة تعاني مزاجًا حادًّا في التفرد والشيفونية فإنها ترفض أن يشاركها أحدٌ في هذا العالم على اتساعه؛ ولذلك لا يجب أن تخالجنا أي أوهامٍ في أن الولايات المتحدة تريد في نهاية المطاف إزالة النظام في إيران, وربما يرجع السبب الرئيسي في ذلك إلى أمرين:-
الأمر الأول: بعض الشكوك التي تشعر بها دول المنطقة للقوة الإيرانية وحاجتها إلى الحماية من هذه القوة بعد التجربة المريرة مع القوة العراقية عضو الأسرة العربية.
الأمر الثاني: هو أن الكيان الصهيوني بعد أن سيَّطر بشكلٍ واضحٍ على معادلات القوة في المنطقة العربية لا يريد قوة إيرانية تتغذى على العداء للصهيونية والحركة الصهيونية؛ ولذلك نعتقد أن الخطاب السياسي للرئيس نجاد قد نجح جماهيريًّا وسجَّل موقفًا تاريخيًّا ولكنه أظهر أداءً متواضعًا في حسابات القوة والسياسة؛ لأن هذا الخطاب وإن لم يكن جديدًا تمامًا إلا أن صدوره عن إيران بالذات وعلى أعلى مستوى وبشكلٍ واضحٍ قد داعب عواطف الشارع الإسلامي الذي تختلط عنده الاعتبارات الدينية بالسياسية بحالة العجز التي تعانيها النظم الرسمية في العالم الإسلامي، وهذا الخطاب قد جدد مخاوف اليهود التاريخية التي عاشت عليها الحركة الصهيونية حتى الآن؛ ولذلك لا يخالجنا أي شكٍ في أن الكيان الصهيوني سوف يقوم بنفسه بتحجيم القوة الإيرانية ما لم تنوب عنه الولايات المتحدة؛ لأن الصهيونية تؤمن بالمثل العربي القائل: "ما حك جلدك مثل ظفرك فتول أنت جميع أمرك", وتؤمن بأن قوتها الذاتية هي درع حمايتها, كما تؤمن بالمثل الصيني القائل بأن الماء البعيد لا يروى ظمئًا, كما يدرك الكيان أن إيران لا تستطيع أن تضحي بالأوراق التي تغذي قوتها في المنطقة وهي معاداة الصهيونية والكيان العنصري والولايات المتحدة في سبيل التوافق العلني بين الكيان وإيران.
في إطار هذه الخلفية العامة انتعشت البورصات السياسية التي ركَّزت على احتمالات الصراع العسكري بين إيران وكلٍّ من الكيان الصهيوني والولايات المتحدة، كما نشط المعلقون في تصور مخاطر الصراع العسكري مثلما يتصور المراقبون العرب مخاطر الوفاق الأمريكي الإيراني على المنطقة العربية في الوقت الذي تخلو فيه المنطقة العربية من قوةٍ حقيقية تضارع القوة الإيرانية؛ لأن المسألة في نهاية المطاف هي تدافع بأسلحة العصر بقطع النظر عن التفاهات والدعايات التي تروج للرابطة الإسلامية أو الطائفية أو غيرها فالأصل في نظرية الصراع هو المصلحة كما تراها القيادة السياسية لكل دولة، وأن تقاطع المصالح أو تصارعها قد يلتحف ببعض المقولات الدينية أو الأخلاقية أو القانونية.. فما أثر الصراع العسكري أو التوافق السياسي بشكلٍ محدد على أمن الخليج؟
أزعم أن اهتمامي بأمن الخليج يرجع إلى العقود الأربعة الماضية عندما بدأتُ دراسة الماجستير حول اتحاد الإمارات التسع الذي انفرط عقده في آخر اجتماعٍ للمجلس الأعلى لشيوخ المنطقة في أكتوبر 1970م، وهو الذي مهَّد لاستقلال البحرين وقطر وإنشاء دولة الإمارات العربية خلال عام 1971م, كما ظلَّ الاهتمام بقضية أمن الخليج منذ ذلك اليوم متصلاً.
وأعتقد أن دراسة أثر الصراع الأمريكي الإيراني على أمن الخليج لا بد أن يبدأ بتحديد معنى أمن الخليج، فقد كان معنى أمن الخليج في العصر البريطاني هو تحقيق السلام البريطاني (RITANICA PAXA) أي ضمان السيطرة الكاملة لبريطانيا العظمى على كل مقدرات منطقة الخليج, وبلغ النفوذ البريطاني غايته في العقد الأخير من القرن 19 عندما أبرمت بريطانيا اتفاقات مع مشايخ الخليج لتأكيد وصايتها على شئون المنطقة عُرفت بالاتفاقات المانعة؛ أي التي تمنع غير بريطانيا من أن يتدخل في أي شأنٍ خليجي دون إذنٍ بريطاني.
وعندما رحلت بريطانيا عن الخليج في عام 1971م رحيلاً نهائيًّا أصبح لأمن الخليج معنى مزدوج فقد كان يعني من ناحية المحافظة على استقرار النظم في الخليج الذي انضمت إليه في هذه الحالة المملكة العربية السعودية وضمان تدفق البترول ومنع الأنشطة التخريبية الفكرية أو الحركية اليسارية في هذه الدول, ومن ناحيةٍ أخرى كان يعني المحافظة على رؤية هنري كيسنجر للعلاقات الثلاثية بين إيران والسعودية والولايات المتحدة لحماية الخليج بالمعنى السابق إيضاحه من المدِّ الشيوعي السوفيتي أو الصيني.
والملاحظ أن المد القومي كان في العصر البريطاني من أهم مهددات أمن الخليج بالمفهوم البريطاني، ولكن هذا المد بدأ في الزوال بعد ضرب المشروع القومي في مصر عام 1967م فأفسح المجال لمفهوم عملي يخدم مصالح الدول الرئيسية في زمن الحرب الباردة ومصالح دول الخليج من ناحيةٍ أخرى, ولكن الملاحظ أيضًا أنه بعد رحيل بريطانيا بدأ يظهر البعد العربي في أمن الخليج عندما تقرر إنشاء اتحاد الإمارات العربية الذي بدأ باتحاد دبي وأبو ظبي عام 1968م ثم استكمل عام 1972م بانضمام رأس الخيمة إلى الإمارات الست.
وقد دخل أمن الخليج إلى مرحلةٍ ثالثة بعد الثورة الإسلامية في إيران وبدايات تآكل النظام الإقليمي العربي الذي بدأت تباشير ازدهاره عام 1973م ولكن هذا الظهور اضمحل وذبل عام 1979م باتفاقية السلام المصرية- الصهيونية التي كان استعجالها ردًّا في الواقع على الثورة الإسلامية في إيران.
وهكذا شهدت المرحلة الثالثة بداية التباين في مفهوم أمن الخليج، خاصةً استبعاد إيران والعراق من هذا المفهوم بعد أن كان العراق مهددًا لأمن الخليج من الناحية الأيديولوجية، وكانت إيران الشاه تدافع عنه بالمفهوم الذي سبق إيراده، وقد ترتب على الصراع العراقي الإيراني الذي يُعزى أساسًا إلى التوتر الإيراني الأمريكي مخاطر كبيرة لأمن الخليج سواء من حيث إن الخليج ممر مائي تجاري وممر أساسي لحاملات النفط ومصدر للثروة المائية لدول الخليج، كما أن أمن الخليج كان يعني توفير الاستقرار للدول العربية المطلة عليه في مواجهة ما سُمِّي يومها بخطر تصدير الثورة من إيران إلى الضفة العربية للخليج.
وبصرف النظر عن مدى صحة هذه المقولات فإن الثابت أن إيران قد أصبحت من مهددات أمن الخليج، كما أنها أصبحت تطالب بمفهوم مشتركٍ لأمن الخليج لم يكن ممكنًا تنفيذه لأن الصراع الأمريكي الإيراني كان لا يزال قائمًا، وأن شعور دول الخليج بالحماية الأمريكية ضد هذا الخطر الإيراني كان جزءًا من الثقافة السياسية لهذه الدول, ولكل هذه الأسباب فإن دول الخليج كانت تحاول أن تُعيد مصر بأسرع ما يمكن للساحة العربية ولو بكل التزاماتها والمآخذ عليها بسب اتفاقية السلام مع إسرائيل، ولكن عودة مصر للساحة العربية أعقبتها بشهورٍ قليلة مرحلة رابعة لأمن الخليج، خاصةً أن مصر كانت تعتبر أن الأمن القومي المصري يبدأ من الشاطئ العربي للخليج، وكان ذلك مفهومًا رومانسيًّا لا تسنده عوامل القوة المصرية ولا القراءة الصحيحة لواقع المنطقة في ذلك الوقت.
وعندما قام العراق بغزو الكويت أسقط ما تبقى من أملٍ في إنشاء شرنقة للأمن القومي العربي تقف لحماية الخليج من إيران، وأُدخل العراق كمهددٍ حقيقي لأمن الخليج بعد أن كان ظِلْ العراق الأيدلوجي يهدد الفكر والسياسة في دول الخليج.
ونقصد بدول الخليج النظم الحاكمة فيها؛ لأن شعوب الخليج قد توزعت بين كل التيارات في المنطقة العربية, فإذا كان البعث خطرًا على حكومات دول الخليج فقد كانت شرائح من دول الخليج تعتنق فكر البعث وتعتبر انتشاره اضمحلالاً لتبعية الخليج للهيمنة الأمريكية.
وهكذا أصبح أمن الخليج يعني أمن كل دولة خليجية على حدة، ولم يفلح مجلس التعاون الخليجي وقوات درع الجزيرة رغم كل ما بُذل لتحرير الكويت والتضامن معها في إرساء مفهوم متماسك لأمن الخليج عن طريق الدول الخليجية، كما انهار البعد العربي تمامًا عند دراسة هذا المفهوم, وقد تواكب عن غزو العراق للكويت بكل هذه التداعيات مع تحول النظام الدولي وانتهاء الحرب الباردة وانفراد الولايات المتحدة بقمة القرار الدولي؛ ولذلك يجب التساؤل حول معنى أمن الخليج في حالتي الصدام والتوافق الإيراني الأمريكي بعد أن رأينا كيف أن تاريخ أمن الخليج ينقسم إلى حقبٍ ثلاثة رئيسية: الحقبة الأولى هي الحقبة البريطانية والثانية هي حقبة إيران الشاه, والثالثة هي الصراع الأمريكي الإيراني منذ عام 1979م حتى هذه اللحظة.
نحن نعتقد أن هذا الموضوع يحتاج لتفصيلٍ كثيرٍ، ولكن اعتبارات المقال تقتضي أن نُركِّز على معنى أمن الخليج في الحالتين المطروحتين.. إذا وقع صدام عسكري في الخليج بين إيران والولايات المتحدة فإن احتمال القضاء على القوة الإيرانية تمامًا وهو احتمال نادر سوف يمكِّن الدول العربية في الخليج من الاستمرار في علاقاتها الأمريكية على أساس أن الولايات المتحدة هي التي توفر مقومات الأمن في الخليج ولحكوماته خصوصًا إذا امتزج ذلك بمحاولات إقامة الديمقراطية والانفتاح السياسي في هذه الدول, ولكن إذا تمكَّنت إيران من الرد على الهجوم الأمريكي فإن أمن الدول والنظم في المنطقة سوف يتعرض للهلاك، كما يترتب على ذلك صعود إيران وقدرتها على السيطرة الاقتصادية والمادية والنفسية والسياسية على منطقة الخليج.
أما إذا تمَّت التسوية السياسية بين إيران والولايات المتحدة فإن واشنطن سوف تطلق يد إيران في المنطقة ولكن بالقدر الذي يحافظ على المصالح البترولية والنفوذ السياسي للولايات المتحدة، وقد يتضمن الاتفاق ترتيب العلاقات "الإسرائيلية" الإيرانية مما يسمح بانفتاح خليجي "إسرائيلي" أوضح.
فما الذي يخدم أمن الخليج من الناحية البراجماتية, مقصودًا على أنه يعني استمرار التطور السياسي والاقتصادي في منطقة الخليج والمحافظة على الموارد البترولية والمحافظة على السلامة الإقليمية لهذه الدول ونظمها والاستقرار الاجتماعي والسياسي فيها وتأمين هذه الدول من أي عدوانٍ عليها؟
نعتقد أن الصدام العسكري قد يقضي على كل شيء فيصعب أن نرى بعده أي مستقبلٍ لأي مفهومٍ للأمن في المنطقة, ولكن التوافق الإيراني الأمريكي سوف يضمن هذا الأمن بالمفهوم السابق, والضمانة الأساسية له هي استمرار هذا التوافق بحيث يتم تهديد هذا الأمن كلما اختل هذا التوافق.