د. حلمي القاعود

 

ولِمَ لا يفاخر بنيامين أليعازر بقتل خمسين ومائتي جندي مصري عقب استسلامهم في حرب يونية 1967؟ يجب أن يُفاخر ابن أليعازر واليهود الغزاة النازيون بمجازرهم ضد أسرانا وشعوبنا؛ لأن بعض حكوماتنا تفوقت على اليهود في قتل أبنائها، وإهدار حياتهم، وسلَّطت السلاح الذي تستورده لإذلال أُمتها وقهرها، والتنكيل بها، كي تبقى على دست الحكم إلى الأبد دون أن يزعجها أحد برأي أو فكر أو طلب حق.

 

بنيامين بن أليعازر، كان قائد وحدة اسمها "روح شاكيد" مهمتها حماية الحدود بين فلسطين المحتلة، والأردن ومصر.. تأسست هذه الوحدة عام 1954م، وتركَّز نشاطها على الحدود المصرية بعد عدوان 1956م الثلاثي، وحين شنَّت قوات الغزو النازي اليهودي حرب 1967م، احتلَّت سيناء، واستسلم عددٌ كبيرٌ من الجنود المصريين ولكن وحدة "روح شاكيد" بقيادة المجرم اليهودي أبت أن تقبل استسلام الجنود المصريين البائسين، فأطلقت أفرادها المتوحشين لقتل الأسرى بعد أن أمرتهم بالانبطاح أرضًا، وهم بلا سلاح، وراح القتلة يصبون نيرانهم على الأجساد الممدّدة فوق الرمال، حتى تأكدوا من مفارقة الأرواح وخروجها من هياكلها البشرية!

 

هؤلاء الشهداء لم تتعرف عليهم الدولة المصرية حتى الآن.. كانت تسجلهم في خانة المفقودين، ولأن الحكومات المصرية المتعاقبة لا تعبأ بشعبها ولا جنودها، فقد ظلَّ الأمر طيّ المجهول، حتى قام التلفزيون الصهيوني مؤخرًا بعرض فيلم تسجيلي، يُجسِّد المأساة بكل أبعادها.. جنود مصريون منهكون متعبون ممزقون يرفعون أيديهم فوق رءوسهم، وجوههم نحو حائط أو ساتر، وظهورهم ناحية الغزاة القتلة الذين يدورون حولهم شاهري السلاح، ومجموعات أخرى من الجنود المصريين البائسين تجلس في صفوفٍ على الأرض وأيديهم فوق رءوسهم أيضًا، ويحوُّم حولهم القتلة اليهود، في أبشع صور الإذلال والمهانة.. ويعترف بنيامين بن أليعازر- وزير البنية التحتية في حكومة الإرهابي إيهود أولمرت بالقتل والوحشية، دون أن يرف له جفن!!

 

وواضح أن إذاعة هذا الفيلم الإجرامي بعد أربعين عامًا، لم تأتِ عبثًا، أو نتيجةً لصحوة إنسانية تلبست أجساد الغزاة الصهاينة القتلة، فهم بلا ضميرٍ ولا خُلق ولا قلب.. ولكنهم من وجهة نظري يوجهون رسالةً جديدةً في مفاهيم الإذلال والمهانة لمصر وأمة العرب والمسلمين، وتقول بلسان "عبري" فصيح: لقد غزوتكم في عقر داركم، وسيطرت على فلسطين، وأراضٍ عربية أخرى، وجعلت أقدس مقدساتكم مدينة القدس العتيقة عاصمةً لكياني الاستيطاني، ومع أنكم تنازلتم حتى لم يبق لديكم شيء تتنازلون عنه، فإنني أذكركم الآن بما جرى لجنودكم في عام 1967م، كي لا تفكروا- مجرد التفكير- في الحديث عن مقدساتكم التي أُخرِّبها وأُدمّرها، وأُمهِّد لإزالتها تمامًا، وعلى رأسها المسجد الأقصى الذي تعدونه مباركًا! صحيح أنكم انشغلتم بتماثيل بوذا في أفغانستان، وأقمتم الدنيا ولم تُقعدوها، وسافر علماؤكم ونشطاؤكم إلى كابول لإقناع طالبان بالكف عن تدميرها، ولكنكم الآن مؤدبون مهذبون- وخاصةً قادة الرأي والثقافة من مثقفي الحظيرة وسلالة هنري كورييل واليسار المتأمرك- فلم تتحدثوا عن القدس ولا المسجد الأقصى بقدر ما تحدَّثتم عن تماثيل بوذا وفقًا لملاحظة الشيخ "عكرمة صبري" إمام فلسطين.

 

الفيلم رسالة مصير لكم يا عرب، يا مسلمون، وفي مقدمتكم المصريون الذين اندمجوا في تطبيع كاملٍ وشاملٍ بدءًا من العلاقات الدبلوماسية مرورًا بالكويز والمشروعات المشتركة، حتى الوساطة بيننا وبين الفلسطينيين (الإرهابيين!)، وفيلم السفارة في العمارة للزعيم عادل إمام!

 

لن يُغني التطبيع عنكم شيئًا، فأنتم معرضون في أية لحظة للذبح بعد الإذلال والقهر.. هذا هو منهجنا الثابت والراسخ مذ وضعه الإرهابي الأول "جابوتنيسكي" والإرهابي التلميذ "مناحم بيجن" والإرهابي الحفيد "آرئيل شارون" وبقية الإرهابيين المعاصرين.. إنَّ ما نفعله منهج لا يتغير ولا يتبدل، فالجنس العربي، وخاصةً المصري لا يصلح معه إلا الإذلال ثم الذبح.