بقلم: بهاء فرح*

ما إن تم التوقيع على اتفاق مكة حتى بدأت حملات التشهير بحقِّ حركة حماس، والترويج بأنها قبلت شروط الرباعية، أو انطوت تحت لواء أوسلو، وأنها بدأت تسير على خط الاعتراف التدريجي بالاحتلال الصهيوني للأرض الفلسطينية.. حماس هذه كانت بالأمس تُتَّهم أنها جامدةٌ غير قادرة على التعاطي مع الأوضاع السياسية، وأنها تغامر بالمستقبل الفلسطيني، وبجرِّ المنطقة إلى حرب أهلية في سبيل تعزيز سلطتها، وحفاظًا على المناصب.

 

بالأمس كانت حماس مطالَبَةً بإيجاد برنامج سياسي يوائم ما بين العمل السياسي والعمل المقاوم، أو لِنَقُل: إيجاد برنامج سياسي يمكن أن تشترك فيه القوى والفصائل الفلسطينية، كلٌّ حسب رؤيته وتطلعاته، دون الإخلال بالمبادئ الأساسية أو الحياد عن الثوابت الوطنية، والتفريط بأيٍّ من الحقوق الوطنية لشعبنا، من تحريرٍ كاملٍ للتراب الفلسطيني من النهر إلى البحر، وعودة اللاجئين إلى الأراضي التي شرِّدوا منها، والإفراج عن كل الأسرى في سجون الاحتلال، وعلى إثر ذلك قيام الدولة الفلسطينية كاملة السيادة على الأرض والبحر والجو.

 

وبعد أن وقَّعت الحركة اتفاق مكة بدأ التساؤل عما إذا كانت قد بدأت بالاستخفاف بعقول أبنائها، وعقول أبناء الشعب الفلسطيني بكامله، وأنها بدأت تدريجيًّا تقبل الاعتراف بالكيان الصهيوني وتعطي الشرعية لوجوده، وتعترف بالاتفاقات التي وقَّعتها منظمة التحرير، والتي عارضتها الحركة على مدار السنوات السابقة التي تلت التوقيع على اتفاقات السلام.
هذه التساؤلات أثارَها البند الثالث في اتفاق مكة، والذي تعلن فيه حكومة الوحدة- التي يجري تشكيلُها- احترامَها للاتفاقات التي وقَّعتها السلطة الفلسطينية مع الاحتلال، وبمنظور البعض فإن هذا يعني اعترافًا بتلك الاتفاقات وبالاحتلال.

 

وبدون أدنى شكٍّ ما من أحد لا يعترف أن السلطة وقَّعت اتفاقات مع الاحتلال، لكنَّ المهم هل معنى ذلك أنه اعترافَ بشرعية هذه الاتفاقات وما جاء فيها؟! من المنطق والبديهي أن احترام شخص لا يعني الالتزام الكامل بكل ما يأتي منه، أو تنفيذ رغباته بما يخالف توجُّهاتنا وتفكيرنا وتطلعاتنا، فحماس إن كانت تحترم الاتفاقات الموقَّعة فهذا لا يعني أنها ستلتزم بما جاء فيها إن كان مخالفًا لبرامج الحركة وتوجهاتها، وينتقص من حقوق شعبنا ويضر بمصالحه.

 

وأخطر ما في تلك الاتفاقات الاعتراف بحق الاحتلال في أرضنا، وما يترتب على ذلك من وقف المقاومة وملاحقة المجاهدين، والقبول بمبدأ الدولتَين على الأرض الفلسطينية، ومعنى ذلك أن حدود الدولة القادمة ستكون الأراضي التي احتُلت عام 67 على أفضل حال، ويمكن تبرير رفض هذا المنطق بما يلي:

1- حركة حماس أعلنت منذ انطلاقها أنها حركة مقاومة، ومعنى ذلك أنها تستمد شرعيتها من هذا الاسم المرتبط بها، فإن أَسقطت المقاومة وسلَّمت بمنطق التفاوض فهي بذلك تنزع عن نفسها الغطاء الشعبي، والدعم المقدم لها على كافة الأصعدة.

 

2- تَعتبر حماس نفسَها حركةً إسلاميةً، تتخذ من الإسلام ركيزةً لها في كل ما يصدر عنها من مواقف وآراء وممارسات، وعلى ذلك فقد وقَّعت حماس في العام الماضي في المؤتمر العالمي لعلماء المسلمين بيانًا يقضي بحرمة الاعتراف بالكيان الصهيوني أو التنازل عن أي شبْر من أرض فلسطين حرمةً قطعيةً، وهي بذلك رسَمَت أمامها خطًّا أحمرَ لا يمكن لها أن تتجاوزه؛ حفاظًا على الحرمة أمام الله وأمام الأمة وعلمائها الذين شهدوا هذا الإقرار.
3- لم يبق أمام حماس سوى التمسك بالثوابت التي طالما نادت بها، والتي أكدها قادتها- وعلى رأسهم اسماعيل هنية رئيس الوزراء- بعدم الاعتراف بالكيان الصهيوني، فهذا الموقف الثابت في موقف حماس هو الذي لا يزال يميِّزها عن الكثير من فصائل العمل الفلسطيني.

 

4- حماس باعتبارها حركة مقاومة قدَّمت الشهداء والجرحى، ملتزمةً بالحفاظ على النهج الذي من أجله ضحَّى هؤلاء الشهداء، ولا يزال المئاتُ من أبنائها في سجون الاحتلال، كثيرٌ منهم يقضي حكمًا بالسجن المؤبَّد لمقاومة الاحتلال، وهي لا تزال تسير على نهج المقاومة ولم تَحُد عنه حتى مع دخولها للمجلس التشريعي وتشكيل الحكومة، ولا أدلَّ على ذلك من الجندي الأسير في قطاع غزة، ومعنى ذلك أن حماس قرَّرت المزاوجة ما بين العمل السياسي والمقاومة، تكميلاً للدور المطلوب منها؛ باعتبار أن الإسلام الذي تستمد منه أفكارها نظامٌ شموليٌّ في كافة مناحي الحياة.

 

وإذا كانت حماس وقَّعت ذاك الاتفاق بما فيه من ملاحظات يمكن أن يستند إليها من يحاولون التشهير بالحركة.. فإن ذلك لا يعني أن حماس تغيَّرت ما بين ليلة وضحاها، وانتقل أبناؤها من كراسي التحقيق إلى كراسي الحكم، ومن النوم في العَراء والتشريد إلى القصور.. إذن ما الذي يدفع حماس إلى التمسك حتى الآن بالحكومة وتقديم مثل هذه التنازلات في البرنامج السياسي، والبقاء تحت هذا الضغط المحلي والدولي؟!

 

5- لا تزال حركة حماس تسعى إلى تنفيذ البرنامج الانتخابي الذي قدمته في دعايتها لانتخابات المجلس التشريعي، والذي يسعى إلى التغيير والإصلاح ومحاربة الفساد على مختلف الأصعدة، وإن كانت معوّقاتٌ كبيرةٌ قد واجهت الحركة في تنفيذ هذا البرنامج على مدار العام الماضي، محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا، فهي لا تزال تؤمن أن باستطاعتها الوصول إلى هذا الهدف.

 

6- قرَّرت حماس التعاطي بمرونة مع ما طرحته الفصائل الفلسطينية من تعديلاتٍ في البرنامج السياسي للحكومة لتحقيق شراكة حقيقية؛ وذلك من أجل إثبات أنها لا تسعى إلى التفرُّد بقرار أو الاستئثار بسلطة وهمية، ومحاولة إقصاء بقية الفصائل كما فعل غيرها من قبل.

 

7- إن كانت حماس قدَّمت تنازلاتٍ شكليةً وتعاطت بمرونة مع بعض المصطلحات التي بقيت فضفاضةً ومكَّنتها من البقاء بعيدًا عن الغرق في دوامة الاعتراف بإسرائيل.. فإن مواقفها التاريخية ومبادئها الأساسية لا تزال ثابتةً لم تتغير، وهذا ما أكده قادتُها حتى بعد اتفاق مكة، مشدِّدين على أنه لا اعتراف بالاحتلال ولا مساومة على حقوق وثوابت شعبنا وقضيته.
8- تؤمن حماس إيمانًا عميقًا أن القضية الفلسطينية تمرُّ في منعطف خطير، يستدعي الوقوف بصلابة وبوحدة حقيقية في وجه التهديدات التي يتعرَّض لها شعبُنا ومقدراته، وأمام أي محاولة تسوية تفرض أمرًا واقعًا بعيدًا عن رأي المعارضة، خصوصًا في ظل الحديث عن السعي للعودة لمباحثات الحل النهائي وما يمكن أن ينتج عن ذلك.

 

9- أثبت الواقع أنَّ تنحِّي حماس عما وصلت إليه في هذه المرحلة سيعرِّضها للضغوط، وإلى عودة الممارسات القمعية التي تعرضت لها في السابق؛ ولذلك فهي تحاول الحفاظ على نفسها وحماية وجودها وحياة أبنائها مما ينتظرهم إن انقلب الحال وعادت الأمور إلى ما كانت عليه قبل عام تقريبًا.

 

حماس تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد أفرزته الانتخابات التشريعية الأخيرة، فهي التي حصدت أعلى نسبة تمثيل في الشارع الفلسطيني، ورغم ذلك لا تزال تتعرَّض لأقسى الممارسات وأشدِّ أنواع القمع، وتعاني الضغط والعزلة محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا، ولذلك فهي تحاول أن تسحب الذرائع من كل مَن يحاول أن يبقيَها بعيدةً عن الواقع السياسي، أو مَن يحاول إظهارَها بصورة العاجز عن القيام بما وعدت ناخبيها به، أو تحميلها المسئولية عما آلَت إليه الأوضاعُ بعد الخامس والعشرين من يناير العام الماضي.

 

وإن كنا نتفهَّم المعارضة الإيجابية البنَّاءة التي تسعى جاهدةً للحفاظ على الثوابت الفلسطينية، وتعزيز صمود الحكومة الفلسطينية وحركة حماس تحديدًا في مواجهة الضغوط الدولية التي تتعرَّض لها، فإن محاولات تشويه صورة الحركة ونشْر التأويلات التي لا تستند إلى منطق سوى ترجمة خاطئة لمصطلح يحمل الكثير من الدلالات، فإن ذلك لا يرمي بأي حالٍ من الأحوال إلى دعم صمود شعبنا وقيادته، ولا إلى تعزيز اتفاق حقن الدماء الفلسطينية.

 

الهدنة واحترام الاتفاقات لا يعني بأي حالٍ من الأحوال التسليم بأمر واقع فُرض على شعبنا، وحماس اليوم تدعم مجاهديها في ساحة المعركة من خلال حماية ظهورهم مما يتربص بهم ومما قد يكون يدبَّر لهم في حال ما إذا تغيَّرت الأحوال.

-------------

* المستشار الإعلامي لرئيس المجلس التشريعي الفلسطيني.