سألت صديقًا: لماذا لا نرسل للدكتور عبد الله النفيسي شكرًا على كتاباته ومواقفه الصلبة تجاه القضية الفلسطينية؟ فرد عليَّ حينها بهدوء وأدب قال: الناس لا تُشكر على قناعاتها ولن يضيف كثيرًا شكرنا له، فهو يعبر عن رأيه وما هو مؤمن به.
بقيت أورد هذا المعنى في مناسبات عديدة ولم أستغرب كثيرًا ما سطره د. النفيسي أخيرًا عن رأيه في الممارسة الجماعية والعمل المنظم الذي يميز حركة "الإخوان المسلمين" في تاريخها والذي كان سببًا مباشرًا في قوة بنائها وسر تماسكها أمام طغيان السلطة الذي ذاقت به الحركة ويلات الأفق الضيق وقمع أبسط قواعد التعبير وحرية الرأي، فضلاً عن المشاركة وتقرير المصير!
أكتب هذا المقال لأناقش ذاتي فيما طرحه د. النفيسي لا لأتجاوز على مكانته، ولا لأناطح سحابته بقدر ما أتلمس في مساري ما أراه صوابًا ورشدًا، ولأستوعب حالة النقاش الذي حاول د. النفيسي أن يحدث صخبًا حوله، لكني أجدها زوبعة في فنجان، وآمل ألا يعتقد قارئي العزيز أني بهذا الوصف أتبرم من رأيه أو أتحجر إزاء النظر في عمقه بقدر ما هي وقفات تلمستها وأنا أكرر قراءة مقاله ألخصها باختصار:
- توقف د. النفيسي عند التجربة الإخوانية القطرية وعدَّ النتائج التي خرجت منها بأنها الخيار الواجب تبنيه على أثر دراسة دامت أكثر من عشر سنوات حول جدوى وجود عمل منظم، وأثنى على هذا الخيار بأنه "عين الحكمة" و"نباهة" سوف تختصر الكثير.
- ولعلي أفهم من هذا التعبير رغبة د. النفيسي في أن يبقى الإخوان حالة اجتماعية أكثر منهم مؤسسة منظمة منضبطة خاضعة لاعتبارات حاكمة لمسارها وسلوكها، وهذا ما لا يتفق مع أبسط قواعد العمل الجماعي ولا يتفق مع مفردات العصر القائمة على تأسيس هياكل وأشكال تنظيمية استقرت وَنَمَتْ في إدارة شئونها وتحقيق أهدافها عبر إدارتها التنظيمية.
- إذا كانت إشكالية د. النفيسي مع التنظيم تكمن في غموضه وسريته وعدم وضوح برنامجه ومساره فإنها تعالج بالدعوة لتجاوز اللبس لا بهدم الرابط الذي يشكل أداة فاعلة في وصول الحركة لمكانتها وزخم الاهتمام الذي تحظى به لدى الأوساط الإسلامية والإنسانية.
- ثم إن بعض إشكالات هذا اللبس إذا افترضنا أن بعضها قائم فإنه لا يعكس حقيقة الواقع والانفتاح الذي تعيشه الحركة اليوم على المجتمع بهيئاته وفعالياته، بل ومشاركات الحركة الجادة في الدفع بمسيرة التنمية وانتشال الأمة من ويلاتها وغصات أعدائها.
- أبلغني د. عبد المنعم أبو الفتوح مشيرًا لزخم الانفتاح الذي تعيشه الجماعة في مصر برغم لظى السياط والجلاد عن لقاءٍ جمعه بأحد مؤسسي حركة الإخوان فريد عبد الخالق عندما زاره وفاءً لعطائه، فما كان من الأستاذ فريد إلا أن أوصل عتبه وإلحاحه بأن تتجاوز الجماعة إرث الماضي وتنفتح على المجتمع فأدرك الزائر خصوصية حالة الأستاذ الصحية وأنه يبني على معلومات مضى عليها أكثر من 20 عامًا عندما كان حاضرًا وفاعلاً في العمل، وقال له: يا أستاذ فريد هذا الواقع غير موجود، والجماعة تعيش اليوم برموزها وهياكلها وبرنامجها بين الناس والمجتمع، لقد تجاوزنا هذه المرحلة ونحن نعيش حالة انفتاح حقيقية من رأس الهرم إلى أصغر أفرادنا؟!
- وأذكر مسئولاً كبيرًا عبَّر في إحدى جلسات البرلمان الكويتي عن درايته بما يحدث في "السراديب" لنائب إخواني فما كان من هذا النائب إلا أن ردَّ بجرأة وثقة وطالب بتشكيل لجنة تحقيق لإثبات صحة حديث هذا المسئول، وسأل في المقابل ضابطًا في جهاز أمن الدولة في لقاءٍ جمعه في إحدى الديوانيات التي كان يزورها عن تعليقه على هذا الكلام فرد بقوله: "بالنسبة لنا أنتم الأكثر وضوحًا، بل مؤسساتكم معلنة ومشهرة ولو تجاوز أحد أفرادكم فيسهل علينا الرجوع لرموزكم لأننا نعرفهم كما يعرفهم الناس جميعًا ليصلحوا ما قد يبدر من خلل إن وقع".
فترة الغزو العراقي شاهدة شاخصة على فعل العمل المنظم وتأثيره داخل الكويت وخارجها، وكم كنا عالة على إدارته وتنظيمه الذي أثبت أنه حصن وأمان للأوطان.
- إن تعاطي الحكومات مع مفهوم التنظيم في الحركة الإسلامية تشكل عبر مراحل مختلفة، فمن المهادنة إلى المصادمة، انتهاءً بالإقصاء، ومن الاستخدام السياسي إلى الشراكة التنموية.. حاولت السلطات وفقًا لخلفياتها الفكرية والثقافية والأمنية التعامل مع حالة التنظيم كوسيلةٍ لترجمة الأفكار لكنها في كل الأحوال لم تصادم التنظيم بقدر ما خاصمت الأفكار التي يحملها القائمون على هذا التنظيم، وخير دليل على ذلك إتاحتها الفرصة لعدد من التنظيمات الأخرى على الساحة الوطنية، فالتنظيم كوسيلةٍ معتبرة وتقتضيها الضرورة والحاجة الإنسانية الفطرية.
- تناول د. النفيسي مزايا حالة "التيار" التي طرحها بديلاً عن التنظيم ورجوت أنه عدَّد لنا إشكالية التيار في الحِراك الحضاري بدل حجبها عنا تحقيقًا للموضوعية التي عوَّدنا عليها، ولعل ألمح مثالبها تلك الفوضى التي يمكن أن تصنعها حشود التيار وسهولة تضليله واختراقه، وهذا ما شهدته الساحة العربية عبر عقود من الضبابية لخطورة الدور الذي يلعبه النافذون في السلطة على حساب التيار!
- إن التجانس في التنظيم القائم على التعاهد بين عناصره لتعزيز مسيرة الإصلاح والتنمية والذي يَسمع ويُسْمِعُ ويفتح النوافذ للمشاركة والتعبير الحر، ثم التلاقي والتوافق الجماعي على برامج عمل يمكنها أن تصنع مجتمعًا متوقدًا فيه مكوناته وتندمج جميعها لتحقيق الرخاء والأمن فما يهم الإخوان أو غيرهم لا مَنْ يحكم إنما بِمَ يحكم، وهذا الذي يسع أن نتحاور فيه ونتكامل عليه من غير حساسية السلطة ولا عسكرة التنظيم، والتي هي مخاوف تبرر التعسف في استخدام القمع وتأكيد القطيعة والتغطية على التراجع والتخلف والفساد!
- د. النفيسي دفع بحل التنظيم واعتبره حلاًّ لخمول المجتمع المدني، ودعا في الوقت ذاته إلى "تنشيط" المجتمع المدني، وهل التنشيط إلى حالة "إرادة وإدارة" تدفع بتحقيق الأهداف وهي في المحصلة مرادفة لكلمة "تنظيم"؟!
- كما علَّق الأستاذ القدير د. النفيسي على أن فكر الإمام البنا لم يحدد موقفه من الدولة والتي جاءت خلاصة للدراسة التي بنى عليها فرضية حل التنظيم، وأتساءل مع كثيرين تحفظوا على إشارته: هل كان على الإمام البنا في حياته القصيرة أن يجيب عن كافة الأسئلة التي تناولها د. النفيسي في الإدارة والاقتصاد والأمن والتعليم؟! إن الإمام البنا بنى رجالاً ملأ قلوبهم وعقولهم بالقيم، وساهم في تأليفهم وعرَّفهم بمفاتيح الفلاح في الدارين استقاها من منطلقاته الفكرية والشرعية فوجب على أتباعه أن يجدّوا ويجتهدوا لرسم ملامح المستقبل وفقًا لمعطيات واقعهم ومراعاة لمتغيرات أحوالهم، ويكفي أن أعلام الإخوان أصَّلوا للدولة في الإسلام، بل لم تحجر الجماعة على أفرادها اجتهادهم ومبادراتهم "يسع الفرد ما لا يسع الجماعة"، كما هي قاعدته المشهورة ولم تناصب عداءً لمَن آثر التحلل من التنظيم، إنما حثت أدبيات وممارسات الإخوان على حفظ ود الصحبة والوفاء لقديم الأخوة.
- وأخيرًا ما هي "إسفنجة" الدكتور النفيسي التي وصف في غمرة خطابه الجماعة بأنها "نقلاً عن أحد القائمين على الدراسة التي استرشد بها" تمتص الطاقات لتجمدها! فأي جمودٍ يعيشه الإخوان اليوم على الساحة العربية والإسلامية؟ وقد غدا خطابهم خيار شريحة واسعة من نخبهم وجماهيرهم؟ وأي امتصاصٍ للطاقات وهي محضن قدم للأمة خيرة عقولها وأنتج للمجتمعات الإنسانية شخصيات تتألق في سماء الفكر والثقافة والسياسة والاقتصاد والتعليم والإعلام؟ بل أي تجميدٍ والإخوان في التنظيم مع العاملين في الحقل الإسلامي وشركاؤهم في الوطن يتلاقون على مسارات الإصلاح والتنمية والبناء والعمل برغم كل العثرات وما خلفه الإرث السياسي لبعض الأنظمة بفعل تصدعها وصدئها نتيجة الفساد والإفساد.
- إننا نجل كثيرًا الأستاذ الكبير د. عبد الله النفيسي ولا يمنع إجلالنا لمكانته من التعبير عن ما نعتقده صوابًا، ونظنه الأقرب والأنسب للرشد، ولا ندعي بذلك عصمة أو احتكارًا، بل إسهامًا في ظل مساهمات كثيرة تحتمل الصواب كما تحتمل الزلل.. وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى.
---------
* ناشط إسلامي