بيروت- خاص لـ"إخوان أون لاين"

نظم مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في بيروت حلقة نقاشية بعنوان: "آفاق مشروعي المقاومة والتسوية لحل القضية الفلسطينية" يوم الخميس 22 فبراير 2007 بمشاركة لفيف من الخبراء اللبنانيين والعرب وعدد من الأكاديميين والمهتمين.

 

تحدث في بداية الحلقة د. محسن صالح مدير عام مركز الزيتونة عن أهمية عقد هذه الحلقة في مثل هذه الظروف خاصة أن الساحة الفلسطينية يتنازعها تياران مختلفان حول كيفية تحرير فلسطين.

 

وفي الجلسة الأولى قدمت د. بيان نويهض الحوت ورقة بعنوان "تجربة المقاومة الفلسطينية.. مدخل للتقييم)، عرّفت فيها المقاومة على أنها: المقاومة الشاملة، أي المقاومة الشعبية، والمسلحة، والفكرية، والإعلامية، والمدنية، وغيرها، وهي قد تجتمع في أكثر من ميدان في زمن واحد، وقد تقتصر على وجه واحد في زمن محدد، غير أنها في مجموعها توجه المؤشر نحو صعود المقاومة أو انكفائها. وركزت في ورقتها على تطور المقاومة المسلحة، حيث قسمتها إلى مراحل عدة أولها امتدت من ما بين نكبة 15/5/1948 وإنشاء منظمة التحرير الفلسطينية في 28/5/1964، وهي التي توصف بـ"مرحلة التيه والضياع"، والتي شهدت في نهايتها مخاض المقاومة، غير أنها في منتصف الخمسينيات شهدت عمليات فدائية جريئة من قطاع غزة نحو الداخل، وكانت مصر تدعم هذه العمليات، كما كانت سوريا تدعم عمليات مماثلة إلى حد بعيد على الحدود السورية- الفلسطينية المحتلة.

 

 أما المرحلة الثانية فهي تلك التي تمتد ما بين عامي 1964 و 1970 وابتدأت بالعملية الأولى لحركة فتح في فجر اليوم الأول لعام 1965 وانتهت بإنهاء الوجود الفلسطيني في الأردن؛ والمرحلة الثالثة تمتد ما بين عامي 1970 و1982 وانتهت بخروج القوات الفلسطينية من لبنان برًّا وبحرًا؛ أما المرحلة الرابعة فهي مرحلة المنافي الجديدة من الجزائر حتى اليمن، وقد استمرت زمنيًّا حتى اتفاقية أوسلو وانتقال القيادة إلى فلسطين المحتلة وعهد السلطة الوطنية، وهي تتوقف في منتصف عهد المنافي أي مع قيام الانتفاضة سنة 1987، ذلك أن الانتفاضة باتت هي المنعطف لما قبلها وما بعدها؛ أما المرحلة الأخيرة فهي تلك التي تمتد زمنيًّا من اتفاقية أوسلو حتى يومنا.

 

وتناول جواد الحمد في الجلسة الأولى خلاصات عملية السلام ومفاوضات التسوية ومسارها الرئيسي؛ وتحدث عن تدمير"إسرائيل" لاتفاق أوسلو، كما تطرق إلى مبادرات التسوية والخيارات العربية، وعرض للانتفاضة والمقاومة كخيارين بديلين عن التسوية، كما تحدث عن محاولات إحياء التسوية واحتواء الانتفاضة الثانية، وعن ضحالة الطروحات في مسيرة التسوية، وتطرق أيضًا إلى موضوع التسوية في ظل حكومة حماس، وحلل أسباب فشل عملية التسوية.

 

 وخلص إلى القول بأن التسوية لم تحقق أهدافها حتى تلك التي أرادتها كل من الولايات المتحدة والصهاينة، ولم تتمكن من التعاطي مع الحقوق العربية بموضوعية وعدالة، أو تحقق الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، كما لم تستطع بناء استقرار وسلام دائم في المنطقة، أو تُنه الصراع الدائر بين المشروع الصهيوني والمشروع العربي الإسلامي في المنطقة، ولم تتمكن من لجم الأطماع والتوسع والاستيطان والمصادرة والعدوان الصهيوني ولم تمنعه من انتهاك حقوق الإنسان الفلسطيني والعربي، كما أنها لم تمثل خيارًا واقعيًّا بديلاً للحرب والمقاومة والانتفاضة كما عبرت الشعوب العربية والشعب الفلسطيني عنها، ولذلك فلم تعد رهانًا ناجحًا ما دامت قواعدها وأسسها التي انطلقت على أساسها عام 1991 قائمة، وما دام التآكل فيها يتزايد لصالح الموقف والتصورات الصهيونية.

 

ثقافة المقاومة

وناقشت الجلسة الثانية من الحلقة النقاشية ورقتين الأولى قدمها سامي خاطر وتحدث فيها عن آفاق مشروع المقاومة ومفهوم برنامج المقاومة وأهدافه، وإنجازاته والإشكالات التي رأى أن من أهمها استمرار وجود التيار الذي يراهن على التسوية والمفاوضات، وإشكالية الجمع بين السلطة والمقاومة، والإجراءات الصهيونية في الضفة الغربية ومن أهمها الجدار العنصري والطرق الالتفافية والمعازل.

 

كما تحدث خاطر عن المؤشرات والمبشرات حول مستقبل المقاومة، ورأى أنه وفي ظل استشراف الوضع السياسي المحلي والإقليمي والدولي خلال النواة القادمة يتبين أن هناك جملة مؤشرات أو تغيرات تصب باتجاه وجود بيئة مناسبة لاستمرار برنامج المقاومة والممانعة والحصول على الحد الأدنى من حقوق الشعب الفلسطيني وبناء على ذلك فإن المستقبل لبرنامج المقاومة كوسيلة ناجحة لإنجاز حقوق الشعب الفلسطيني، خاصة أن السبب الجذري للمقاومة وهو الاحتلال لا يزال يجثم فوق الأرض والمقدسات الفلسطينية، كما لا يزال العدوان الصهيوني متواصلاً وبأبشع الإجراءات والفظاعات، خاصة أن الاحتلال الصهيوني لفلسطين هو آخر صور الاستعمار الحديث الباقية حتى الآن في العالم، ولذلك لا بد أن ينتهي هذا الاحتلال طال الزمان أو قصر.

 

 وقدم خاطر في نهاية ورقته توصيات من أجل تكريس مشروع المقاومة ومراكمته أهمها:

* نشر ثقافة المقاومة وتجذيرها.

* بذل قصارى الجهد لتوحيد الصف الفلسطيني حول خيار المقاومة.

* العمل على بناء نظام سياسي فلسطيني يشمل الداخل والخارج يقوم على حشد طاقات الشعب الفلسطيني لدعم صمود الشعب في الداخل ومقاومته الباسلة، والتمسك بحقوقه الوطنية.

 

أما منير شفيق فقدم الورقة الثانية حول آفاق مشروع التسوية وإمكانات نجاحه وأوضح أن استمرار المسار الذي اتخذه المشروع الصهيوني في التجربة الفلسطينية منذ نشأتها حتى عام 2000 (الاندحار من جنوب لبنان، واندلاع الانتفاضة، وتصاعد المقاومة في فلسطين، وفشل الاحتلال في العراق مع المقاومة والممانعة) دخل الآن مع نهاية عام 2006 في مرحلة جديدة تتسّم باختلال ميزان القوى في غير مصلحة الكيان الصهيوني وأمريكا كما لم يحدث يومًا من قبل؛ مشيرًا إلى أنه يكفي دلالة على ذلك انتقال الأزمة إلى داخل الجيش الاحتلال الصهيوني وبروز نقاط ضعف أساسية أخذت تظهر عليه؛ فالدولة والمجتمع الصهيونيان تأسّسا من حول الجيش وعبْره وكان الجيش دائمًا فوق الأزمات السياسية الداخلية وخارجها من حيث بنيته واستراتيجيته؛ الأمر الذي أضفى ذلك الانسجام التاريخي بين الاستراتيجية والتكتيك للقيادات الصهيونية والقدرات وموازين القوى المحلية والإقليمية والعالمية.

 

 وأضاف شفيق أن ذلك الانسجام اهتز من دون أن ينعكس على السياسات الصهيونية من جهة، كما أن المأزق الداخلي في الجيش الصهيوني والقوى السياسية المتنفذة لم ينعكس على الاستراتيجية والتكتيك المتعلقين بالصراع والتسوية أو على سمات العلاقة بين مشاريع الحل (غير الماضية للتطبيق)، كما لا يتيح فرص ما يمكن تسميته "الحل الواقعي" تثبيت الأمر الواقع وتوسيعه ضمن الرؤية الصهيونية لأن المواجهة، بأشكالها، بما فيها المسلحة، ستظل مفتوحة، موضحًا أن الوجه الآخر هو استمرار المقاومة والممانعة من جانب الشعب الفلسطيني والأمة العربية عمومًا ضمن حدود ما تقدّم عرضه أعلاه.

 

تعامل الصهاينة مع المقاومة

أما الجلسة الثالثة فقد ناقشت ثلاث أوراق، الأولى للدكتور نظام بركات حول استراتيجية التعامل الصهيوني مع خطي المقاومة والتسوية؛ حيث رأي د.بركات أن التسويات عبّرت في نتائجها حتى الآن عن اختلال ميزان القوى لصالح الطرف الصهيوني، وحتى القضايا الفرعية والملحة التي شكّلت في اعتقادنا الدافع الحقيقي للعملية السلمية الحالية بقيت معلقة، فحين دخل العرب المفاوضات كانوا يأملون تحقيق انسحاب صهيوني من الأراضي المحتلة ووقف عمليات الاستيطان ومحاولة تأسيس كيان فلسطيني يكون قادرًا على وقف ابتلاع الأراضي والسكان في المناطق المحتلة على أمل أن يكون المستقبل قادرًا على تحقيق الحقوق العربية النهائية على حد قول بركات، مضيفًا أن عمليات التسوية الحالية لم تستطع إنجاز الكثير في هذا المجال، فالانسحاب لم يتحقق وجاء على شكل عملية إعادة انتشار في مناطق محدودة تخضع لعمليات مساومة مستمرة مع بقاء سيادة الاحتلال على المعابر والحدود والأمن مما يمنع تبلور الكيان الفلسطيني وعدم السماح بعودة النازحين واللاجئين؛ مؤكدًا أنه في نفس الوقت حقق الجانب الصهيوني اعترافًا منقوصًا ولم يستطع تحقيق الأمن والانفتاح على الوطن العربي، فنفقات الدفاع الصهيونية في تزايد، وما زالت التهديدات موجودة للطرفين سواء في الداخل أو الخارج؛ وكذلك العلاقات مع الدول العربية والاندماج الإقليمي ما زالت متعثرة، وفي نفس الوقت تعاظمت قوة منظمات المقاومة الفلسطينية والإسلامية في فلسطين ولبنان وتعزز دورها العسكري والسياسي مما يعني استمرار الصراع ولو بأشكال أخرى فتوقف الحروب واستمرار المفاوضات والوصول لبعض اتفاقيات التسوية لا يعني تحقيق السلام الذي يعيد الحقوق لأصحابها وينهي حالة العداء في المنطقة ويخلق علاقات تعاون مشتركة لمصلحة جميع الأطراف.

 

ودارت الورقة الثانية الذي قدمها وليد محمد علي حول التعامل العربي مع خطي المقاومة والتسوية، حيث قال في ورقته إن تجارب التاريخ تقول إن التوصل إلى "تسوية" مؤقتة تكون بمثابة هدنة توقف النزف والدمار العالي الوتيرة ولكنه لا يتحقق بالاستجداء؛ مشددًا على أنه لا بد أن يترافق السعي لتحقيقه بالتمكن من عوامل القوة؛ وأشار إلى أن التجربة أثبتت أن عامل القوة الأساسي الذي تمتلكه أمتنا في مواجهة تفوق الأعداء هو المقاومة الشعبية التي تستطيع الأمة إذا ما احتضنتها ودعمتها وتمكنت من عوامل القوة، الدفاع عن نفسها، وأن تردع أعداءها بما يمكّنها من استخدام ثرواتها وتأمين مصالحها. أما استمرار إعلان التمسك بالسلام كخيار إستراتيجي وحيد، فلن يؤدي إلا إلى المزيد من التغوّل الصهيوني والتجبر الأمريكي والانهيار والتفتت العربي.

 

وأخيرًا تحدث د. كمال ناجي، مقدمًا الورقة الثالثة والأخيرة بالجلسة الثالثة بالحلقة النقاشية حول التعامل الدولي مع خطي المقاومة والتسوية.

 

ورأى د. كمال ناجي في ورقته أن التطورات الدولية في السنوات الأخيرة وصمود الشعب الفلسطيني وبسالة مقاومته، جعلت المجتمع الدولي يتجه إلى اعتماد مقاربة جديدة لتسوية القضية الفلسطينية، على ضوء الفشل الذي سببته الثغرات التي شابت خريطة الطريق، وهو ما يقتضي تركيز الجهود على التوجه نحو تسوية قضايا الوضع النهائي، وهو توجه أصبح مقبولاً دوليًّا في ظل تسليم دولي وحتى صهيوني بأنه لا حل لقضايا الشرق الأوسط إلا بإقامة دولة فلسطينية على الأراضي التي احتلها الصهاينة عام 1967، كبداية صحيحة لحل كل قضايا المنطقة، بما في ذلك مشاكل الأمن الاستراتيجي للصهاينة أنفسهم، موضحًا أن ذلك التوجه يقتضي أيضًا تركيز الجهود دائمًا على توفير قوة الدفع اللازمة دوليًّا لإبقاء القضية الفلسطينية في رأس سلم أولويات المجتمع الدولي، لإيجاد الحلول العادلة لها، والعمل على إخراجها من التداول في إطار المقاربات المنحرفة التي تدعو إلى الاهتمام بها لدعم معسكر المعتدلين في الشرق الأوسط في مواجهة معسكر المتطرفين وفقًا للتوصيف الأمريكي.