يتعرض المسجد الأقصى المبارك إلى سلسلةٍ من الاعتداءات من قِبل الاحتلال الصهيوني، منذ أن دخل الاحتلال إلى مدينة القدس في العام 1967م، ما أدَّى إلى إلحاق أضرارٍ بأساسات المسجد الأقصى، وتعرض أجزاء من السور للهدم، واليوم يتعرض باب المغاربة إلى حملة عسكرية تهدف إلى هدمه، باشرت خلالها سلطات الاحتلال بهدم جسر يؤدي إلى المسجد الأقصى، بهدف بناء جسر آخر مكانه يسمح بإدخال تعزيزات عسكرية إلى ساحة المسجد، في خطوة يبدو أنها تبييت نية لعمل عسكري.

 

ويتحدث الشيخ رائد صلاح، رئيس الحركة الإسلامية في الأراضي المحتلة عام 48، عن الاعتداءات على المسجد الأقصى المبارك وعلى حارة وباب المغاربة بالتحديد، حيث باشر الاحتلال منذ دخوله مدينة القدس عام 67 بتدمير حارة المغاربة الملاصقة لحائط الأقصى الغربي من الخارج، وهدمت خلال هذه العملية عددًا من المساجد والمقامات والمعالم الحضارية والتاريخية الموجودة في هذه الحارة، وبحسب شهود فإن الاحتلال هدم بيوتًا على رؤوس ساكنيها في هذه الحارة، أدَّى إلى وفاتهم تحت أنقاضها.

 

ثم واصلت المؤسسة الاحتلالية الصهيونية تدميرها لكثيرٍ من المقابر الإسلامية القريبة من المسجد الأقصى المبارك، وعلى سبيل المثال دمرت مساحة كبيرة من مقبرة الرحمة، وأزالت مقبرة كانت تقع في الزاوية الغربية الجنوبية للمسجد الأقصى، وفي نفس الوقت شرعت المؤسسة الاحتلالية الصهيونية بحفر الأنفاق تحت المسجد الأقصى وواصلت هذه الحفريات حتى الآن، وأقامت شبكة من الأنفاق تحت المسجد.

 

أهمية باب المغاربة

كان هذا الباب يحمل اسم باب النبي، وفق ما ورد في الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- في رحلة الإسراء ربط البراق عند الحائط الملاصق لذاك الباب؛ ولذلك سمي بحائط البراق، ثم دخل إلى المسجد الأقصى، ومن هنا جاء الاسم الأول لهذا الباب وهو باب النبي.

 

بعد ذلك جاء القائد صلاح الدين الأيوبي وحرر المسجد الأقصى من الصليبيين، فأوكل جالية من المسلمين المغاربة للحفاظ على تلك البقعة المحيطة بباب المغاربة وأوقفها عليهم، وسميت بحارة المغاربة نسبةً إلى هؤلاء المرابطين من بلاد المغرب، وعُرف بعد ذلك بباب المغاربة.

 

ويقول الشيخ صلاح: إن الملك الأفضل ابن صلاح الدين الأيوبي بنى لهذه الجالية مدرسة عُرفت باسم المدرسة الأفضلية وبنى فيها مسجدًا، وأقام على سطح هذه المدرسة طريقًا يؤدي إلى ساحة المسجد الأقصى المبارك من باب المغاربة، وعُرفت هذه الطريق بطريق المغاربة، وظلت على هذه الحال طريقًا للمصلين المسلمين حتى عام 1967م؛ حيث قامت قوات الاحتلال بمصادرة باب المغاربة وبدأت بالتدريج تمنع المصلين المسلمين من دخول هذا الباب إلى المسجد الأقصى المبارك، إلى أن منعتهم بالكلية في أواخر الثمانينيات الميلادية.

 

وخلال فترة الاحتلال عملت المؤسسة الاحتلالية على حفر الأنفاق تحت المسجد الأقصى ما تسبب بانهيارات في باب المغاربة.

 

ويؤكد الشيخ صلاح أنه لا أحقية لليهود في باب المغاربة ولا حائط البراق المجاور له؛ لأن طريق المغاربة وبابه وحائط البراق جزء لا يتجزأ من المسجد الأقصى، ويعزز الشيخ صلاح رأيه بقرار لجنة عُرفت باسم (لجنة شو)، أقامتها عصبة الأمم عقب أحداث ثورة البراق عام 1929م، وعلى إثر الاشباكات التي وقعت في هذا العام تشكَّلت هذه اللجنة، وبعد أن بحثت في حيثيات حائط البراق وباب المغاربة أقرَّت بأن هذه الأماكن حق خالص للمسلمين، وهي جزء من المسجد الأقصى المبارك.

 

ويرى الشيخ صلاح أن المؤسسة الاحتلالية الصهيونية كانت دائمًا تدوس كل المواثيق الدولية وتخاطب الآخرين بمنطق القوة ليس إلا، وها هي اليوم تدمر طريق المغاربة وما تحته من معالم تاريخية حضارية يعود بعضها إلى العهد الأموي والعهد الأيوبي والمملوكي والعثماني.

 

خطورة الحفريات

أما عن الخطورة التي تُشكلها الحفريات الجارية عند باب المغاربة، فيرى الشيخ صلاح أنها جريمة كبرى لأن معناها هدم جزء من المسجد الأقصى المبارك، وهو جريمة لأن هدم الجسر سيهدم المدرسة الأفضلية والمسجد القرين لها، وسيدمر المعالم الحضارية التاريخية التي تعود إلى عهود إسلامية سابقة.

 

وهو برأيه أيضًا جريمة كبرى لأن المؤسسة الاحتلالية الصهيونية خططت لبناء جسرٍ متين في تلك المنطقة، يملك هذا الجسر القوة لكي تمر عليه سيارات عسكرية احتلالية وشاحنات وجرافات، لا بل إن المؤسسة الاحتلالية الصهيونية صرَّحت بأنها بنت هذا الجسر بهذه المواصفات كي تكون قادرة على إدخال 300 جندي في لحظة واحدة إلى داخل ساحة المسجد الأقصى المبارك، وهذا يعني أنهم يخططون لاعتداءاتٍ خطيرة على المسجد الأقصى المبارك من الداخل.

 

ويؤكد الشيخ صلاح أن المؤسسة الاحتلالية الصهيونية أقامت شبكة أنفاق تحت المسجد الأقصى المبارك، وهذه الأنفاق كشفت عن أركان أعمدة المسجد الأقصى القائمة في عمق الأرض، وهذا أمر خطير جدًّا، خصوصًا مع تحذيرات العلماء الجيولوجيين من حدوث زلزالٍ مدمرٍ في بلادنا خلال هذه الفترة التي نعيش فيها، الأمر الذي سيجعل المسجد الأقصى في خطر كبير.

 

إخفاء الحقائق

ويرى الشيخ صلاح أن المؤسسة الاحتلالية الصهيونية في كل مناسبة تدعي أنها صاحبة السيادة الوحيدة على المسجد الأقصى المبارك؛ ولذلك فهي لا تزال تسعى إلى منع مَن تشاء من دخول المسجد الأقصى، بهدف إبراز هذه السيادة الباطلة من طرفها، وكذلك فهي تصر على منع العلماء والمهتمين بالمسجد الأقصى من الدخول كي تبقى جريمتها متواصلة بعيدًا عن أعينهم، وبعيدًا عن كاميرات الإعلام محاولة بذلك إخفاء حقيقة جريمتها.

 

وكان الشيخ صلاح وجَّه نصيحةً في خطبة الجمعة الماضية إلى اللجنة التي تعتزم تركيا إرسالها للتحقيق في آثار الحفريات التي تقوم بها المؤسسة الاحتلالية الصهيونية عند باب المغاربة، بأنهم إذا أرادوا فحص ما يجري تحت المسجد الأقصى المبارك ومن على جوانبه، فليقوموا بذلك دون أن يرتبطوا بالتوجيهات الصهيونية، أي أن يأخذوا حريتهم في الفحص والتحرك في كل مكان، وعند ذلك فإن سيصدمون من رؤية شبكة الأنفاق تحت المسجد الأقصى.

 

وكرر الشيخ صلاح تأكيده على أنه إذا أصرَّت اللجنة على هذا الموقف فإنها ستنجح في مهمتها، وإذا سارت خلف توجيهات المؤسسة الاحتلالية الصهيونية فلن تكشف الحقائق، بل ستستغل كشاهدٍ مخدوعٍ من المؤسسة الاحتلالية.

 

وأكد الشيخ صلاح أن قضية المسجد الأقصى المبارك ليست قضية فلسطينية فقط، بل هي قضية كل مسلم وعربي في العالم، وطالب بدور صادق وجدي من كل مكونات الحاضر الإسلامي والعربي من الحكام والعلماء والأحزاب والإعلام والمؤسسات الأهلية والجماهير، كي يأخذ كل دوره الواجب نصرةً للمسجد الأقصى المبارك والقدس الشريف.

-------------------

* المستشار الإعلامي لرئيس المجلس التشريعي الفلسطيني