![]() |
|
د. حلمي القاعود |
يخطئ مثقفو الحظيرة كثيرًا إذا تصوَّروا أن الكذب والتدليس والتشويش على صورة الإسلام الإنسانية ستدفع الجماهير إلى السَّير وراءهم، والاقتداءِ بهم، وتصديقِ أراجيفهم وأباطيلهم التي يتلونها ليل نهار، في أجهزة إعلام وصحافة، تمثل مدفعيةً ثقيلةً، تطول كلَّ بيت وكل شخص، أي كل المجتمع، لسبب بسيط جدًّا، وهو أن الدولة البوليسية الفاشية (ومثلها الدولة العسكرية) لا تعرف للإنسان كرامةً، ولا للوطن قيمةً، ولا للحق موضعًا، إنها تحكم بالحديد والنار، ولو تجمَّلت بمجالس النفاق، ومؤسسات الكذب، ومثقفي الحظيرة، وأصحاب البلد!!
يخطئ مثقفو الحظيرة كثيرًا إذا فكروا بالحق أو بالباطل أن الدولة البوليسية الفاشية يمكن أن تكون دولة الحرية والعدل والمساواة والكرامة؛ لأنها قامت على صناعة الخوف والرعب والجريمة والكذب.. إنها دولة الفساد والإفساد والبغي في الأرض.
لقد تمنَّيت أن يسأل مثقفو الحظيرة أنفسهم: لماذا يتهافت الناس على إدخال أبنائهم كلية البوليس، ويبيعون كل ما يملكون من أجل دفع الإتاوة المطلوبة، كي يعلق "الابن" "الدبورة" على كتفيه، وتفاخر أسرته أن لها "ضابطًا" في البوليس يحميها، وييسِّر لها أمورها، ويمثل مركز قوة اجتماعيًّا في مواجهة الجيران والقرية والحي والمدينة، وإن كان ذلك الحكم العام لا ينفي أن هناك "أبناء ناس" يحتفظون بشيء من القيم والأخلاق؟!
لن يسأل مثقفو الحظيرة أنفسهم هذا السؤال أبدًا؛ لأنهم ترس في آلة النظام البوليسي الجهنمي، الذي لا يعرف إلا السمع والطاعة والهتاف لأولياء النعم.. القوم مشغولون بتشويه الإسلام، بل رفضه!!
تأمل مثلاً ما يقوله بعضهم من أن قطع يد السارق جريمة وحشية بربرية، لم تعُد صالحةً لهذا العصر، ولن تجتثَّ جريمة السرقة، ولا ندري بِمَ نردُّ على أمثال هؤلاء الذين يفترض فيهم الوعي بالعقيدة والشريعة، لقد تناسوا تمامًا أن المسلمين لم يخترعوا هذه العقوبة، ولم يفكروا بها من عندياتهم.. إنها أمرٌ إلهيٌّ ورد في القرآن الكريم من خلال الآية الكريمة ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيْزٌ حَكِيْمٌ﴾ (المائدة: 38).
قطع اليد أمر إلهي وليس جريمة "وحشية بربرية"، ويأتي عقابًا عادلاً ينزل على اللصِّ الذي اغتصب ما ليس له، وقد قنَّن الفقهاء والمشرِّعون منهج تطبيق هذه العقوبة، وقد تشفَّع بعض الصحابة- رضوان الله عنهم- عند رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليعفيَ امرأةً من عِلية القوم من حدِّ القطع، ولكن الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- رفض هذه الشفاعة، امتثالاً لأمر ربه في الآية السالفة الذكر، وقال قولته الشهيرة: "ولله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"، ومعنى ذلك أن حدَّ السرقة ليس اجتهادًا شخصيًّا من بعض المسلمين أو الجماعات، ولكنه وحيٌ سماويٌّ، لا مجال فيه للاجتهاد.
وأتصور لو أن هذا الحدَّ تم تطبيقه على اللصوص الكبار الذين يسرقون الدولة والناس جهارًا نهارًا، وينزحون الملايين بل المليارات المسروقة إلى بنوك أوروبا وأمريكا، التي تضع يدها في النهاية على هذه الأموال؛ لأن أصحابها غالبً
