انقسم العالم العربي في تاريخه الحديث انقسامات متعددة على أسس مختلفة، وكلها لا تخدم المصلحة العربية، وهذا من أهم الأدلة على سيولة السياسات العربية وهشاشة الجسد العربي الذي لا يستطيع أن يحتفظ بوحدته في مواجهة الآخر، وإنما ينجح هذا الآخر دائمًا في تقسيمه إلى معسكرات متناحرة؛ مما يُعدُّ تهديدًا خطيرًا للأمل في عالم عربي واحد يعمل من أجل مشروع واحد.

 

ورغم أنَّ العالمَ العربي يُدرك جيدًا أنَّ هذه التقسيمات تصدر عن قوى تخدم المشروع الصهيوني الذي يهدد الوجود العربي ذاته إلا أن الغريب هو أن مشروعات التقسيم الأجنبية تسري في الجسد العربي سريان النار في الهشيم.

 

أحدث هذه التقسيمات هو الانقسام الطائفي بين شيعة العالم العربي وسنته، وهو انقسامٌ لم يكن في يومٍ من الأيام جزءًا من الثقافة العامة منذ استقلال الدولة العربية الحديثة التي تفرَّغت لدعم استقلالها ثم انتهت إلى الاحتفاظ بشريحة رقيقة من هذا الاستقلال وعانت من الكثير من الخلط والتخليط في أمالها ومشروعاتها.

 

بدأ الأساس الأول لتقسيم العالم العربي عندما انقسم بين شرقٍ وغربٍ أثناء الحرب الباردة, فأصبحت بعض دوله موالية للاتحاد السوفيتي، بينما بقي البعض الآخر حليفًا للولايات المتحدة، وقد أدَّى هذا الانقسام بين الشرق والغرب إلى انقسامٍ في الصفوف العربية بين ما كان يُسمَّى معسكر التقدميين ومعسكر الرجعيين.

 

وكان هذا الانقسام تصنيفًا مبطنًا للقسمة بين النظم الجمهورية والنظم الملكية, فقد كانت كل النظم الملكية في المنطقة العربية في المعسكر الأمريكي، بينما كانت كل النظم الجمهورية بما في ذلك ليبيا- التي دخلت متأخرةً- في المعسكر السوفيتي, وقد أدَّى هذا الانقسام إلى حربٍ باردة عربية طاحنة وهجوم متبادل إعلامي وسياسي ثم تجلَّى في شكله العسكري في ثورة اليمن عام 1961م والتي قامت مباشرةً عقب الانفصال السوري عن مصر وسقوط أول تجربة وحدوية في التاريخ العربي المعاصر؛ حيث تواجهت القوات الرئيسية في العالم العربي على أرض اليمن مواجهةً عسكريةً، وكانت هذه الدول في واقع الأمر تحارب في معركة تتعلق بطبيعة النظم السياسية في العالم العربي، ولكنها من حيث تقسيمات الحرب الباردة كانت الدولتان العظميان تستفيدان ولا نقول كانتا توجهان المعسكرين العربيين المتصارعين، وقد انتهت هذه القسمة بهزيمة مصر وسوريا والأردن عام 1967م أمام الصهاينة فأصبح العالم العربي موحدًا خلف هدفٍ واحدٍ، وهو إزالة آثار العدوان الصهيوني نفسيًّا وسياسيًّا وإقليميًّا، وقد حدث ذلك بشكلٍ رائعٍ ولو جزئي في المواجهة العربية للكيان الصهيوني عام 1973م.

 

ثم عاد العالم العربي ينقسم مرةً أخرى بين معسكرين تمثل مصر المعسكر الأول الداعي إلى الصلح مع الصهاينة مقابل المعسكر الذي يضم كل الدول العربية الآخرى بزعامة العراق.

 

كان الانقسام بين مصر والعالم العربي يتسم بالحدةِ خصوصًا عندما تزعَّم الفريق الثاني المعادي لمصر عددٌ من الدول بقيادة الاتحاد السوفيتي، وهي دول الرفض العربية التي انضمَّت إليها إيران أيضًا فكان الشكل الخارجي لهذا الانقسام هو أيضًا صراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي رغم أنَّ معظمَ الدول العربية بما في ذلك مصر كانت قد دخلت المعسكر الأمريكي؛ ولذلك فإنَّ الاتحادَ السوفيتي لم يكن يتزعم فريق الرفض حبًّا في موقفهم أو اقتناعًا به وإنما انتقامًا من مصر التي تخلَّت عن الاتحاد السوفيتي وانضمت إلى المعسكر الأمريكي، وقد سجَّل المؤرخون أنَّ انضمام مصر للمعسكر الأمريكي ومناهضتها للنفوذ السوفيتي قد أسهم في تقويض الإمبراطورية السوفيتية إلى جانب أسباب أخرى متنوعة.

 

أما الانقسام الثالث فكان على خلفية الغزو العراقي للكويت الذي تصدَّت له مصر مع دول الخليج، وحيث انقسم العالم العربي إلى فريقين الأول يؤيد الدور الأمريكي في التصدي للعراق وتتزعمه مصر وانضمت إليه سوريا رغم أنها كانت من معسكر الرفض خلال القطيعة المصرية العربية.

 

أما الفريق الثاني فلم يكن يؤيد الغزو العراقي للكويت حسبما تمَّ تصويره خطأً من جانب الإعلام الصهيوني والأمريكي، ولكنه كان يعتقد أن انسحاب العراق ممكن دون التدخل الأمريكي الذي سيؤدي ولا شك إلى الهيمنة على المنطقة العربية كما حدث بالفعل، ولكن هذا الفريق كان يُدرك أيضًا أن انسحاب العراق طوعًا ليس مؤكدًا وأن انسحابه كرهًا على أيدي عربية أمرٌ مستحيل.

 

وقد ظلَّ هذا الانقسام قائمًا في السياسات العربية حتى غزو العراق؛ بل إنَّ الدول التي انضمت للتحالف الدولي ضد العراق هي نفسها التي اتخذت مواقف متفاوتة تعارض الغزو علنًا ولكنها لا تعارضه، وكان هذا الاعتبار هو أهم أركان الحسابات الأمريكية في غزو العراق، غير أن هذا الفريق لم يكن يدرك أن غزو العراق سوف يؤدي إلى ما تبعه من مآسٍ في العراق وأخطر هذه المآسي هو أن مأساة العراق قد استغلها كلٌّ من إيران والولايات المتحدة، وعندما فاق هذا الفريق على هذا الخطر كان قد فقد أوراقه تجاه الدولتين.

 

أما الانقسام الرابع فهو الانقسام الذي حدث بمناسبة العدوان الصهيوني على لبنان، ولكن هذا الانقسام بدا بشكلٍ أوضح بعد نجاح حزب الله في صد العدوان الصهيوني عندما تفاقمت المشكلة العراقية، وبدأت الولايات المتحدة تُركِّز في العراق على الانقسام بين الشيعة والسنة، وقد أسفر ذلك عن انقسامٍ آخر قدَّمت له الولايات المتحدة بشكلٍ هادئ عندما أنشأت جبهة الدول المعتدلة والتي تنضم إليها إسرائيل في مواجهة القوى المتطرفة، ويقصد بها حزب الله ومن ورائه الشيعة في المنطقة وحماس وسوريا وتنضم إليهم إيران باعتبار أن هذا التحالف الرباعي هو الذي يُشكِّل المعسكر المتطرف.

 

أما الانقسام السادس فهو الانقسام في العالم العربي بين إيران والولايات المتحدة.
في ضوء ما تقدَّم من انقساماتٍ عربية يتضح أن المنطقة العربية كانت تُوظَّف دائمًا لغير المصلحة العربية، ويستخلص دارسو النظم السياسية في المنطقة أنَّ هذه النظم تفتقر للصلابةِ في مواجهةِ المؤثرات الخارجية، وكذلك الحصانة اللازمة لتبني مواقف ثابتة واضحة تدافع عن المصالح العربية.