![]() |
|
عبد الرحمن سعيدي |
بقلم: عبد الرحمن سعيدي أبو أيمن*
تمرُّ هذه الأيام الذكرى الثامنة والخمسون على اغتيال الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله تعالى، وهو من الشخصيات الفذة التي صنعت بحياتها وموتها مولدًا لمشروعٍ حضاري رائد، لا يعرف الفشل ولا الانهزام ولا الاستسلام، ولم يمكن له أن يستظل بظل الاستبداد والطغيان والحكم الفردي ما دام ينشد أصحابه رفعة الدين وخدمة الوطن وحريته وكرامته.
لقد نشأ الإمام حسن البنا مع مشروع شعاره كيف ننهض بالأمة الإسلامية من غفوتها وغفلتها؟ ومنهجه يا قومنا لو تعلمون ما في أنفسنا من حرصٍ عليكم وحُبٍّ لكم وتضحيةٍ من أجل إسعادكم وليس فينا ما نُعاديكم به ولا نخذلكم يوم الاستنصار والنفير ولا نتآمر عليكم من داخل الوطن ولا من خارجه. وأسلوبه الكلمة الطيبة، والرفق في الدعوة، والسلمية في المعاملة، ونبذ العنف والغلو. ومن أهدافه السعي لتحقيق قوة الأمة الإسلامية وصلاح الحكومة ورشادها، وبناء العزة والكرامة والقوة في أفرادها رجالاً أو نساءً، ليكونوا جميعًا صالحين للدين والوطن.
ماذا بقيّ من مشروع الإمام حسن البنا بعد رحيله؟
هناك مَن يغالط في هذه المسألة ويعمل على بذر الغموض والفهم الخاطئ حولها، ومن ذلك أن الإخوان المسلمين غيَّروا منهجيةَ الإمام فتحولوا إلى مفرزاتٍ للتطرف والغلو، وأن كل جماعات العنف والتطرف خرجت من تحت عباءة الإخوان، وجعلوا من بعض الأحداث التاريخية مصدرًا للاتهام والإدانة مع أنها ما زالت مفتوحة أمام التحقيق والتحري؛ نظرًا للغموض الذي يكتنفها. والبعض الآخر من نسج الأفراد والتفلت التنظيمي الذي لا يلزم الذات الجماعية ولا منطلقها الفكري الجماعي المبني على قناعة راسخة، والحقيقة أن الإخوان ما زالوا على سلميتهم ورفضهم المبدئي للعنف والإرهاب، ولا يقرون به، ولا يتعاطونه كمنهجٍ وأسلوبٍ في الدعوة والسياسة.
لقد أفرزت منهجية الإمام البنا الاندماجَ الاجتماعي والمخالطة الإيجابية في المجتمع من خلال الدعوة والتوجيه والخدمات والسياسة وإدارة الطاقات البشرية فيه، وظلَّ الإخوان بعد رحيله أوفياء لهذا المنهج ومشاركين بنسبٍ متفاوتة في العمليات المختلفة داخل المجتمع، وحسب المتاح من الحريات والديمقراطية، ويريدون أن يكون لهم حيز واضح ومعلوم في ساحات المجتمع من خلال الفعل الديمقراطي النزيه، والإخوان لهم مساهمات جديَّة وفعَّالة في المشاركة الصادقة في المجال السياسي والاجتماعي.
هناك مَن يغالط بفكرة أنَّ الإمام البنا كان متفتحًا ومتفهمًا لأوضاع شعبه وأمته الإسلامية، أما ورثته فانغلاقيون ومتشددون لا يدركون أبعاد الانفتاح، ويشكلون خطرًا على أمن مجتمعاتهم، والحقيقة التي يجب أن نُصرِّح بها أن الإمام البنا رحمه الله تعالى كان يعمل ويتحرك في أوضاع قائمة على الحرية والاستقرار، فتوسع نشاطه وانفتحت له فضاءات كانت من قبل مغلقة وحكرًا على أصحابها، فلمَّا قامت الأنظمة- بدافع الأحادية والاستبداد والخوف على ذهاب السلطان لكثرة المظالم والمساوئ- بغلق مجالات الحرية والتعبير والتعددية، وتضييق هامش التحرك والفعل والاتصال بالآخر، عندها اتَّهم الإخوان بالانغلاق والتقوقع، إذ كيف يعقل أن يُتَّهم المقيَّد بالحبل أنه عديم الحركة والفعل.
وما نعجب له اليوم أن تقام في عهد الإصلاحات والتغيير الديمقراطي، والتعددية السياسية والتحولات الكبرى، والمتغيرات الجيوسياسية محاكم عسكرية للرأي والتعبير الحر كما هو الحال مع نائب المرشدالعام خيرت الشاطر و15 من قيادات الإخوان، واعتقالات بالجملة والدفعات المتتالية لأتفه الأسباب.
ورغم كل هذه الأساليب البوليسية والقمعية ما زال الإخوان يطالبون بالسلمية ونبذ العنف والمواجهة، وتأسيس حزب سياسي مدني ذي خلفية إسلامية ليعملوا في وضح النهار وتحت الشمس، وبعد كل هذه السنوات من التضييق والتنكيل ما زال الإخوان المسلمون
