(نحن جماهير شعب مصر نقبل ونعلن ونمنح لأنفسنا هذا الدستور، مؤكدين عزمنا الأكيد على الدفاع عنه، وعلى حمايته وعلى تأكيد احترامه)..بهذا النص جاء تقديم الدستور، وهكذا يفترض أن تنشأ الدساتير أو تعدل بإرادة شعبية، تتخذ من حالة الوفاق والإجماع الوطني في اللحظة التاريخية فرصةً لإجماع على نصوص دستورية يتعهد الجميع بالتزامها واحترامها.
كذلك تنشأ (تعدل) الدساتير في لحظة اتزان بين كامل القوى الفاعلة في المجتمع (بين السلطة والشعب) وبين السلطات التنفيذية، والتشريعية، والقضائية، وبين كافة القوى والشرائح: (جيش، شرطة، صحافة، عمال) فيتعهد الجميع في هذه اللحظة التاريخية ألا يتغول أحد على الآخر، وألا يخترق أحد من جانبه هذا التوازن.
في مثل هذه اللحظات التاريخية تنشأ أو تعدل الدساتير، وتبقى لها قدسيتها، وتبقى عبر الأجيال لا تُمَسُّ، وتبقى موادها أساسًا ومرجعًا لكل القوانين والممارسات، وفصلاً في كل الخلافات.
السؤال الأول: هل هذه هي الحال التي نحن بصددها الآن....؟؟
بعد سنوات طويلة من الحديث الدائم: "لا مساس بالدستور" فجأةً أصبح الحديث عن تعديلات دستورية بالجملة (34 مادةً)، وكما حدث في التعديل الأول في المادة 76 والتي يجري تعديل التعديل لها الآن خلال سنة واحدة، مما يؤكد: (العجلة والتسرع- عدم وجود أرضية وفاق وطني حول التعديلات- تفصيل التعديلات لحل مشكلات خاصة لمجموعة الحكم)
السؤال الثاني: هل المناخ العام الذي تساق فيه التعديلات بالجملة (في زفة إعلامية تشبه العرس) مناخ ديمقراطية حقيقية، وانفراجة إصلاح سياسي حقيقي حتى نتشبث بها؟؟؟
الجواب: ما شهده عاما 2005م /2006م من (قتلى وجرحى الانتخابات التشريعية- تأجيل المحليات رغم فسادها- استمرار حالة الطوارئ رغم مرور سنوات على آخر حوادث الإرهاب-اعتقالات بالآلاف أثناء استفتاء المادة 76 وكذا الانتخابات التشريعية- مصادمات القضاة- الاعتداءات على الصحفيات- مصادرة إرادة الطلاب والعمال في انتخابات حرة- تجميد انتخابات المهنيين وأعضاء هيئة التدريس منذ أكثر من عشر سنوات) أخيرًا فرض حظرٍ على أموال، ومحاكم عسكرية لناشطين سياسيين.
السؤال الثالث: هل نحن في لحظة تاريخية تشهد اتزان العلاقة بين السلطة والمجتمع التي نحتاج تثبيتها ووضع ضمانات لاستمرار هذا التوازن؟؟؟
الجواب: نحن في لحظة خلل حاد في العلاقات بين السلطة والشعب، فنشهد تغول السلطة التنفيذية عامة والأمنية خاصةً على كافة السلطات التشريعية والقضائية، وتشبه العلاقة بين السلطة والمواطن كالعلاقة بين الفيل والنملة.
تأتي التعديلات لترسيخ العلاقة غير المتوازنة بين السلطة وعموم المجتمع (دعم ما هو قائم والتمهيد لما هو قادم) بدلاً من تصحيح الخلل الموجود.
لذا كان يتوجب قبل التعديل الدستوري جملة إصلاحات سياسية، تعيد التوازن أولاً من خلال:
- إلغاء جملة القوانين الاستثنائية سيئة السمعة.
- إنهاء حالة الطوارئ.
- إلغاء لجنة الأحزاب، ومحكمة الأحزاب، وإقرار حق تكوين الأحزاب بمجرد الإخطار.
- إطلاق حرية: التعبير، والتظاهر، والتجمع السلمي.
- إجراء انتخابات حرة نزيهة في النقابات: والطلاب، والعمال، والنوادي.
- إطلاق حق تشكيل الجمعيات بعيدًا عن وصاية السلطات الأمنية.
السؤال الرابع: هل سيصبح الاعتداء على الدستور دستوريًّا؟؟؟
تصبو جملة التعديلات إلى:
- تكريس تغول السلطة التنفيذية.
- إقصاء ونفي متعمد لكافة القوى الحية الفاعلة (المستقلين، والقضاة، والإخوان المسلمون).
- تقليص مساحة الحريات الخاصة.
- انتخابات بلا قضاة (تزوير بلا شهود).
- كنا نشكو من إهدار النصوص الدستورية، والاعتداءات على الدستور، فتأتي التعديلات (بدلاً من تصحيح الاعتداءات) ظهيرًا دستوريًّا للاعتداءات والتجاوزات، فلا تعود تؤثم، ولا تحكم الدستورية العليا ببطلانها.
- كانت المادة (88) تنص على الاقتراع تحت إشراف القضاة، ومع هذا كانت اتهامات وانتهاكات تمت بتزوير الانتخابات وتزييف النتائج، سواء بشهادة القضاة المشاركين أو من تقارير النقض، فإذا بالتعديل القادم للمادة (88) يكون التزوير بلا شهود، وانتخابات بلا قضاة.
بل تأتي التعديلات لِتُخْرِج القضاة من الملعب تمامًا، فلا إشراف مباشرًا على الاقتراع (المادة 88) وبقاء سيد قراره (المادة 93) يهدر تقارير النقض، فلا قيمةَ لها، فضلاً عن استمرار اللجوء للمحاكم العسكرية للمدنيين (المادة 183).
وإجراءات أمنية دون رقابة قضائية مسبقة (المادة 179)
- كنا نشكو من القوانين الاستثنائية، وحالة الطوارئ، وتغول الأمن على الحريات الخاصة (بالمخالفة للدستور) فيأتي تعديل المادة (179) بما يهدر حقوق المواطنين في الحياة الخاصة الآمنة، وحرمة البيوت، وحرمة الاتصالات دون رقيب.
- كنا نشكو من سيطرة رأس المال وأصحابه على المصالح العليا للوطن، وبيع القطاع العام، وقطار الخصخصة بإهدار الملكية العامة، وكذا عدم توفير الخدمات التعليمية، والصحية المجانية.
وكان هذا يحدث بالمخالفة للدستور الذي نص في سياق حماية القيم الاشتراكية.
على العدالة الاجتماعية، وتقليل الفوارق، وملكية الشعب لأدوات الإنتاج فتأتي مقترحات التعديل لتنسف كل هذا.
أي أن التعديلات ستنتهي بنا إلى:
1- دسترة التزوير.
2- دسترة الإقصاء، وبهدف التخلص من: (المستقلين، القضاة، الإخوان المسلمون).
3- دسترة الاعتداء على الحريات، والحرمات (دسترة الطوارئ).
4- تفريغ المادة الثانية من مضمونها، وإزاحة الدين عن الحياة العامة.
السؤال الخامس: هل التعديلات عبَّرت عن متطلبات الشعب ونبضه؟
كان الناس ينتظرون تعديل المادة (88) بحيث يمتد الإشراف القضائي إلى القيد، وتنقية الجداول، وتوزيع عادل للدوائر إلى الإعلان عن النتيجة، بل الفصل في العضوية، ويمتد إلى خارج اللجان، ويمنع البلطجة، وشراء الأصوات فضلاً عن التدخل الأمني خارج اللجان.
وجاء قرار الجمعية العمومية للقضاه: "إما إشرافًا قضائيًّا كاملاً أو التخلي عن دور المحلل".
- المجلس القومي لحقوق الإنسان (وهو مجلس شبه حكومي يعينه السيد الرئيس) يتمسك 24 من 25 من أعضائه بضرورة تعديل المادة (77) الخاصة بتحديد مدتين فقط لرئيس الجمهورية، ومع هذا فإنَّ التعديلات تتجاهل هذا المطلب.
- كان الحديث الرسمي عن أن (الباب الثالث من الدستور "الحريات والحقوق العامة" لن تُمسَّ فجاءت التعديلات لتنسف المواد (41، 44، 45) والتي تصون حريات وحرمات المواطن.
السؤال السادس: هل احتوت التعديلات حقيقة على توسعة صلاحيات السلطة التشريعية (مجلسي الشعب، والشورى، ومجلس الوزراء)؟؟؟
قبل الحديث عن الصلاحيات: هل هذا المجلس يمثل إرادة الشعب ومن ثَمَّ تصب توسعة صلاحياته لمصلحة الشعب؟
- مجلس يتم اختيار أعضائه بعيدًا عن الإشراف القضائي (الماده 88 بعد التعديل).
- مجلس يختار المواطنون أعضاءه بقيد الانتماء للأحزاب بعيدًا عن تكافؤ الفرص (المادة 62 بعد التعديل).
- مجلس لا يملك القضاء الحر حق الفصل في صحة العضوية أو بطلانها (المادة 93).
- مجلس مسلط عليه سيف (حق الرئيس في حل المجلس دون استفتاء الشعب) (المادة 136 بعد التعديل).
وتوسعة صلاحيات مجلس الشورى الذي ينطبق عليه ما سبق، علاوةً على أن ثلث أعضائه لا يزال بالتعيين، وعجيب أن يُعطَى لمجلس يعينه الرئيس (الذي هو رأس السلطة التنفيذية، ورئيس أحد الأحزاب)، ثم تُعطى له صلاحيات تشريعية.
- أما توسعة صلاحيات مجلس الوزراء فقد اكتفت مقترحات التعديل بجانب التشاور بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء في بعض الاختصاصات، ولا تزال المادة (141) تنصُّ على أن "يعين رئيس الجمهورية رئيس مجلس الوزراء ونوابه، والوزراء ونوابهم، ويعفيهم من مناصبهم"، فهي مشاورات بين الرئيس ومَن يجيء بهم (ويعفيهم).
فهل لهذا التشاور كبير أثر في الحياة السياسية ومردود على مصالح المواطنين؟
من أجل كل هذا رفضنا التعديلات وندعو الجميع لرفضها.
--------------
* الدكتور محمد البلتاجي، الأمين العام للكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين