واشنطن- بغداد- وكالات الأنباء وإخوان أون لاين
ضمن مجموعة من الإجراءات التصعيدية شملت خصومَه في العراق في الداخل والخارج الأمريكي رفَضَ الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن الانتقاداتِ التي وجَّهها الكونجرس الأمريكي لخطته بشأن العراق، وأعلن أنه هو "صانع القرارات الوحيد في العراق"، وحذَّر الإيرانيين من جهة أخرى من أنه سيتم وقفُهم إذا هاجموا القوات الأمريكية أو العراقية داخل العراق، من جهتها انتقدت النائبة الديمقراطية نانسي بيلوسي- رئيسة مجلس النواب الأمريكي، من العاصمة العراقية بغداد- الوضعَ المتدهور في البلاد.
الوضع في واشنطن
في ظل المعارضة الشعبية والسياسية الأمريكية الكبيرة لاستراتيجية بوش الجديدة لإرسال 21500 جندي أمريكي إضافي إلى العراق قال وزير الحرب الأمريكي روبرت جيتس للصحفيين: إن مسئولين عسكريين يحاولون تخطِّي ما وصفه بـ"قيود لوجستية"؛ للتعجيل بإرسال القوات الجديدة إلى العراق، وانتقد جيتس من جهةٍ أخرى جهود الكونجرس لمعارضة هذه الخطة رسميًّا.
ونقلت وكالة (رويترز) للأنباء عنه قوله: "من الواضح بشكل ملحوظ أن قرارًا يقول بشكلٍ فعلي إن الجنرال الذي ستُعرض عليه قيادة المنطقة يجب ألا تكون لديه الموارد التي يرى أنه يحتاجها لتحقيق النجاح يشجِّع العدو دون شكّ".
من جهته كان بوش قد تحدث أمس الجمعة 26/1/2007م إلى الصحفيين في واشنطن بعد لقائه مع اللفتنانت جنرال ديفيد بتريوس- القائد الجديد للقوات الأمريكية في العراق- في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض، بعد فترة وجيزة من تصديق مجلس الشيوخ بأغلبية (81 صوتًا) مقابل (لا شيء) في المعارضة على توليه قيادة قوات الاحتلال الأمريكية في العراق.
وسيتولى بتريوس تنفيذ خطة بوش التي أثارت انتقادات حادَّة من جانب أعضاء الكونجرس من الجمهوريين والديمقراطيين على حدٍّ سواء، من الذين يشعرون بقلق من أن بوش يزيد من تورُّط الولايات المتحدة في العراق، في وقت يشعر فيه الأمريكيون بالسخط من الحرب التي بدأت قبل نحو أربع سنوات ولم تظهر أي علامات على انتهائها.
وفي هذا الإطار قال بوش عندما سئِل عن القرارات التي يَجري إعدادُها في كل من مجلسَي الكونجرس (الشيوخ والنواب) لمعارضة خطته هذه: إنه يملك السلطة لتنفيذها، وأكد أن "أحد الأمور التي وجدتها في الكونجرس هي أن معظم الناس يدركون أن الفشل سيكون كارثةً للولايات المتحدة، وفي هذا الصدد فأنا صانعُ القرارات، وعليَّ أن أضع وسيلةً للمُضيِّ قُدُمًا إلى الأمام تمنع حدوث كارثة"، وقال إنه يعرف أن هناك تشككًا، ولكن "البعض يدين خطة قبل حتى إعطائها فرصةً للنجاح".
الملف الإيراني
وبشأن إيران لم ينف أيٌّ من بوش أو كبار المسئولين الأمريكيين تقريرًا ورد في صحيفة (واشنطن بوست) الأمريكية قال إن القوات الأمريكية لديها سلطة اعتقال أو قتل العناصر الإيرانية النشطة في مهاجمة الجنود الأمريكيين داخل العراق، وفي هذا الصدد قال بوش: "من المنطقي أنه إذا حاول شخص ما إيذاء قواتنا أو منعنا من تحقيق أهدافنا أو قتل مدنيين أبرياء في العراق فإننا سنوقفهم"، وشدَّد على "أنه إلزام أن نحمِيَ جميعًا قومَنا، وأن نحقِّق أهدافنا"، ولكن بوش قال إن أي عمليات ضد الإيرانيين سوف تنفَّذ داخل العراق فقط، ويرتبط ذلك الموقف بما أثارته تصريحات بوش قبل أسبوعين عن ملاحقة الشبكات الإيرانية العاملة في العراق تكهُّناتٍ في واشنطن من أن الولايات المتحدة قد تشنُّ هجماتٍ داخل إيران.
وقال الرئيس الأمريكي: "البعض يحاول أن يقول إنه لأننا نعزِّز ونساعد أنفسنا في العراق بوقف التأثيرات الخارجية وقتل جنودنا وإيذاء الشعب العراقي أننا نريد توسيع ذلك.. هذا افتراض غير صحيح ببساطة"، وأضاف: "نعتقد أننا يمكن أن نحلَّ مشكلاتنا مع إيران دبلوماسيًّا ونعمل لفعل ذلك".
ولكن اللافت للنظر أن الديمقراطي هاري ريد زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ قال إنه يؤيد "أي شيء يتطلبه الأمر لحماية الجنود الأمريكيين في العراق"، ولكنه أضاف قائلاً: "ولكن أن يصعِّد الرئيس هذا الصراع خارج العراق أمرٌ يتعيَّن عليه أن يعود ويطلب منا إذنًا لفعل ذلك".
من جانبه قال المتحدث باسم الخارجية الأمريكية شون ماكورماك إن الولايات المتحدة تدرس "جبلاً من الأدلة" على تورط عناصر إيرانية في أنشطة أمنية في العراق، وتأمل إدارة جورج بوش الابن في تقديم بعض منها علانيةً.
زيارة بيلوسي
في غضون ذلك وفي زيارة مفاجئة قامت بها رئيسة مجلس النواب الأمريكي النائبة الديمقراطية نانسي بيلوسي لبغداد، عقدت فور وصولها لقاءً مع رئيس الوزراء العراقي الدكتور جواد نوري المالكي؛ لبحث تطورات الوضع في العراق، وقال مكتب المالكي إن رئيس الوزراء العراقي أكد أنه يريد أن تتولى قواته مسئولية الأمن بأسرع ما يمكن، ودعا إلى الإسراع بتدريب القوات العراقية وإمدادها بالمزيد من المعدات العسكرية.
من جهتها قالت بيلوسي بعد محادثاتها مع المالكي إن الكونجرس الذي يهيمن عليه الديمقراطيون سيصوِّت ضد الاستراتيجية الجديدة للرئيس الأمريكي، لكنه لن يسعى لإعاقة التمويل الخاص بزيادة القوات.
الوضع الميداني
على الصعيد الميداني قُتلَ 34 عراقيًّا على الأقل وأُصيب العشرات بجراح، بينما هلك جندي أمريكي متأثرًا بجراحه في أعمال عنف متفرقة في العراق في غضون الساعات الأربع والعشرين الماضية شملت جميع أنحاء العراق.
وقالت مصادر أمنية عراقية: إن أعنف التفجيرات وقع وسط سوق الغزل للحيوانات الأليفة قرب سوق الشورجة وسط بغداد، وأسفر عن مقتل 15 شخصًا، ونقلت قناة (الجزيرة) عن هذه المصادر قولها إن شخصَين قد قُتِلا وأصيب 4 آخرون بجروح عندما فجَّر انتحاريٌّ يقود سيارةً مفخَّخةً نفسَه لدى مرور دورية للجيش العراقي في منطقة علاوي في ناحية الكرخ، وقالت المصادر نفسها إن شخصًا قُتل بإطلاق نار عشوائي وأصيب اثنان آخران بجروح في حي البياع جنوب غرب بغداد.
من ناحية أخرى قُتلَ 9 عراقيين وأصيب 18 آخرون في انفجار سيارة مفخَّخة استهدفت مسجدًا في تلعفر شمال الموصل حسب مصادر أمنيَّة عراقيَّة، كما قال مصدر في الشرطة إن شخصًا فجَّر نفسَه داخل مسجد في منطقة الرشيدية شمال الموصل، فقتل 7 أشخاص وأصاب 17 آخرين، وقالت الشرطة إنَّها عثرت في منطقة علاوي في ناحية الكرخ (غرب دجلة) على "جثث 6 أشخاص قُتلوا بالرصاص".
وفي وقت لاحق أكدت الشرطة أن دورياتها عثرت على 27 جثة في مختلف شوارع بغداد بين السادسة صباحًا وساعات المساء الأولى أمس الجمعة، كما تم العثور على جثَّتَي جنديَّيْن عراقيَّيْن في منطقة الشجيرية التابعة لقضاء الصويرة الواقع على بُعد 50 كيلو مترًا جنوب العاصمة بغداد.
على صعيد آخر اعتقلت قوات الأمن العراقية- بمساندة قوات الاحتلال الأمريكية- 14 مطلوبًا في قضايا تتعلق بشنِّ هجماتٍ مسلحةٍ لم يحدّد أيُّ مصدر مَن استهدفت، كما اعتقلت الشرطة 6 من جماعة التوحيد والجهاد في منطقة جبلة (65 كيلو مترًا جنوب بغداد)، وذلك وفقًا لمصدر أمني.
الخسائر الأمريكيَّة
وفي وقتٍ سابق أعلن جيش الاحتلال الأمريكي عن مقتل أحد عناصر مشاة البحرية الأمريكي (المارينز) متأثرًا بجراحٍ أُصيب بها خلال عملية عسكرية في محافظة الأنبار غرب بغداد، ليرتفع عدد قتلى الجيش الأمريكي في العراق إلى 3061 منذ غزوه في العام 2003م، وبموازاة ذلك تبنَّت سرايا الدعوة والرباط في تسجيلٍ مصوَّر بثَّته على الإنترنت ما قالت إنَّه هجومٌ على مروحية عسكرية أمريكية من نوع بلاك هوك في الرمادي غرب العراق.
كما أعلن الجيش الأمريكي يوم أمس الجمعة أن 4 جنود أمريكيين كانوا قد اختُطفوا من مجمع محلي للحكومة العراقيَّة الأسبوع الماضي قد قُتلوا بعد ذلك بفترة وجيزة، وقال جيش الاحتلال الأمريكي في سَرده لمزيد من التفصيلات عن هجوم معقَّد شنَّه مقاتلون تخفَّوا على شكل أمريكيين في مدينة كربلاء في 20 يناير الحالي: إن الشرطة العراقية عثرت على ثلاثة من الأربعة قتلى ولفظ الرابع أنفاسَه الأخيرة وهو في طريقه إلى المستشفى، وأكدت الرواية الجديدة التي وردت في بيانٍ للقوات الأمريكية تصريحات مسئولين عراقيين قالوا إنَّهم لم يرَوا سوى جندي أمريكي واحد قتيلاً في مكتب الحكومة المحلية، بينما تمَّ العثور على جثث الأمريكيين الثلاثة الآخرين في منطقة ينعدم فيها القانون والنظام على بُعد بعض الأميال.
وقال الجيش الأمريكي إن "المتشددين المسلَّحين كانوا يرتدون سترات تبدو أمريكيَّةً ويتحدثون الإنجليزية وكانوا يحملون أسلحةً من طرازٍ أمريكي؛ مما أقنع نقاط التفتيش العراقية بالسماح بمرورهم".
تركيا
من جهتها حثَّت تركيا الولايات المتحدة على ألا تترك فراغًا في السلطة عندما تنسحب من العراق وألا تسمح بتقسيم البلاد، قائلةً إنَّ تقسيم العراق سيؤدي إلى "حربٍ لا نهاية لها" تشمل كل جيرانه، وقال وزير الخارجية التركي عبد الله جول- خلال الاجتماع السنوي لمنتدى التعاون الاقتصادي الدولي المنعقد في منتجع دافوس السويسري-: "لا يمكنهم ترك فراغ وراءهم"، "إذا العراق قُسِّم ستكون هناك حربٌ أهليةٌ حقيقيَّةٌ وكل الجيران سيتورَّطون في ذلك".
وقال جول إن تركيا لن تعترف بأي دولة قد تظهر إلى الوجود إذا قُسِّم العراق ولا أحد من جيران العراق، بما في ذلك السعودية، يرغب في رؤية هذا البلد مُقسَّمًا، وأردف قائلاً: "إذا كان هناك تقسيمٌ فلن نعترف بأي حكومة جديدة في المنطقة، كلنا (تركيا والجيران) لنا نفس الهدف وهو الحفاظ على العراق موحدًا".
من جهة أخرى حثَّ جول بغداد وواشنطن على التَّعامل مع عدة آلاف من متمردي حزب العمال الكردستاني التركي الذين يتخذون من شمال العراق قاعدةً لهم، وهدَّد قائلاً إنَّه إذا لم تتم السيطرة عليهم فإنَّ تركيا ستتدخَّل عسكريًّا، وقال: "نتوقَّع أن يفعل الأمريكيون ذلك، إمَّا يتعيَّن عليهم أن يفعلوا ذلك أو إذا لم يتمكنوا من فعل ذلك علينا أن نفعله.. إنَّه أمرٌ مشروع تمامًا".