أصبح التسول في مصرنا المطحونة- وخصوصًا القاهرة والمدن الكبري- وسيلة مهمة جدًّا من وسائل التكسب، ولا أقول التعيش، فالمتسول لم يعد يتوقف عند حدِّ الكفاية، أي عند ما يكفيه ليومه أو أسبوعه، بل أصبح المتسول منهومًا بالمال، وأصبح دخل الواحد منهم يصل إلى عشرات الجنيهات يوميًّا.. ولا يرتوي، ولا يكتفي حتى كاد يصدق عليه قول الشاعر:

كالحوت لا يرويه شيء يطعمُه

يصبح ظمآنَ وفي الماء فمُه

التسول بـ"فكر جديد"

ومن فضول القول أن أذكر- في هذا المقام- أن المتسول هو دائمًا صاحب "اليد السفلي" أي اليد التي "تأخذ"، أما اليد العليا فهي التي تُعطي.. وأذكر أننا- في العهود المسماة بالبائدة، أي قبل قيام الميمونة- كان الواحد منا يتصدق على المتسول بالقرش والقرشين، أما المتصدق بالشلن- أو الشلم كما ينطقها العامة- فيكيل له المتسول من الدعواتِ والتعظيماتِ ما يغرق أسرة من المتصدقين في وقتنا الحاضر، مع ملاحظة أن الشلن- أو الشلم- يعني خمسة قروش، أيامها كان الجنيه المصري يساوي جنيهًا إسترلينيًّا، بل يزيد قليلاً.

 

وقد حقق المتسولون ما لم تحققه حكومات الميمونة، فرفعوا تسعيرتهم- عرفيًا- إلى مائة ضعف، ولو أخذ الدكتور أحمد نظيف بمنطق المتسولين لرفع مرتب الموظف الحاصل على شهادة عالية إلى 5200 جنيه شهريًّا، ولكننا نرى أن "جديد" المتسولين، نجح نجاحًا ساحقًا، أما "جديد" الوطني فسقط سقوط ذريعًا.

 

واعتمادًا على رؤيتي الميدانية يمكن تقسيم التسول أقسامًا متعددة تبعًا لأساس التقسيم أو التصنيف: فبالنظر إلى "مكان" أو "مسرح" التسول يمكن أن نرى نوعين: "التسول الثابت" فالمتسول يحتل مكانًا ثابتًا، ويمد يده طالبًا الصدقة، وغالبًا ما يكون طاعنًا في السن، أو ذا عاهة حقيقية- أو مفتعلة، وكثيرًا ما يكون معه طفل أو طفلان في هيئة رثة زرية.

 

أما "التسول المتحرك" فنرى فيه المتسول لا يثبت في مكانٍ واحد- قاعدًا، أو واقفًا- ولكنه يسعى، ويتنقل من مكانٍ إلى مكان، وقد تكون مواقع المساجد هي المقصودة أيام الجمع.

 

وبالنظر إلى عنصر الزمن: نرى التسول الدائم، أو التسول المهني، أي الذي يتخذه المتسول "مهنة" دائمة، لا يسلوها ويتركها إلى غيرها، بعد أن رأى وعاش دخلها الوفير.

 

وهناك التسول الموسمي، وفي هذه الصورة لا يمثل التسول "مهنة" دائمة، ولكن يظهر المتسول في مواسم الأعياد، والسياحة فقط؛ لأنه "صاحب مهنة"، والتسول يمثل عنده "دخلاً موسميًّا إضافيًّا"، وغالبًا ما يقوم بهذه المهمة الأولاد والبنات بدفعٍ من آبائهم طبعًا.

 

وبالنظر إلى وسيلة التسول نرى نوعين: التسول الصريح، أو المباشر، والتسول الخفي، أو المتواري، أو غير المباشر، والأول يتمثل في شخصٍ يمد يده صراحةً، طالبًا الصدقة، أو المساعدة بعبارة، أو عبارات معروفة مثل: "حاجة لله يا بيه، ربنا يزيدك من نعيمه، أو ساعدني ربنا يكرمك... إلخ".

 

والثاني يتمثل في شخصٍ مريض، أو متمارض يعرض أشياء رخيصة كالليمون، أو النعناع، أو المناديل الورقية، وغالبًا ما يمنحه الناس الصدقة دون مقابلٍ من بضاعته الرخيصة.

 

وبالنسبة لأيلولة الدخل نجد الغالبية العظمى من المتسولين يعملون لحسابهم أي يكون دخلهم لهم دون تدخلٍ من الآخرين، وهناك قلة قليلة جدًّا تعمل لحساب الآخرين، وقد رأيت بنفسي حالة غريبة جدًّا من هذه الحالات: متسولاً طويلاً نحيلاً يرتدي جلبابًا بلا كُمّين لأنه مقطوع الذراعين تمامًا، وهو كذلك مقطوع الرجل ويقف على قدم واحدة يحجل، ويتنقل بها بين السيارات أمام حديقة الحرية، ومنطقة كوبري الجلاء من ناحية دار الأوبرا، ولجلبابه جيبان واسعان عميقان على جانبيه.. كان منظره يدعو للرثاء والشفقة حقًّا؛ لذلك كان أصحاب السيارات- وهي غالبًا ما تتوقف أمام الإشارة- يصبون في جيبه العملات الورقية؛ لأنه بلا ذراعين- كما ذكرت آنفًا- وظهرت حقيقة الرجل: فهو "يُسرِّحه" ثريان، وجيباه يغصان بمئاتِ الجنيهات كل ساعتين أو ثلاث، فيتجه "نطًّا" إلى سيارة مرسيدس يملكها أحد الثريين، وهي تنتظره بعيدًا عن "موقع سعيه"، فيُفرِّغ ما في جيبه، ويطعمه ويسقيه مما لذَّ وطاب، وتتكرر هذه العملية عدة مرات في اليوم، وبعد الغروب تحمله السيارة إلى حجرة مخصصة لمبيت هذا "الكنز" المفتوح لثريين جشعين، ويتكرر هذا الدور كل يوم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

وللتسول وسائل متعددة

والوسيلة الشائعة- التي لا تُكلِّف المتسول شيئًا- هي العبارات التي تستدر عواطف الناس، وتُثير شفقتهم، وقد يلجأ بعض المتسولين إلى شرح حالهم، وما يعانون في حياتهم من جوعٍ ومرضٍ وحرمان.

 

وفي منطقة الدقي رأيتُ "شخصًا" قوي البنيان يتسول بطريقةٍ يمكن أن نسميها طريقة "الآلة الكاسدة"؛ إذ يحمل على ظهره "عجلة" كبيرة بها "مَسَنّ" لشحذ السكاكين، ومعروف أنها مهنة "ماتت"؛ لأن البيوت تستخدم "مسنات" منزلية صغيرة في حجم الكف، منها اليدوي، ومنها الكهربائي.

 

وكان هذا المتسول الذي وضع ذراعيه في "سيرين" من الجلد تحكمان وضع العجلة الثقيلة على ظهره.. كأنه يقول بلسان الحال: "هذه مهنتي ماتت، فلا دخلَ لي، فأعينوني حتى أعيش".

 

ومن "جديد" التسول استخدام الأطفال الذين يُستدر بهم المتسول عطف الناس، والمفزع الذي يمثل كارثةً حقيقيةً أنَّ هؤلاء الأطفال لا يمتون للمتسول بأيةِ صلة قرابية، ولكنهم يُستأجرون من أهاليهم الفقراء الذين يمنعهم الحياء من التسول، وسعر الولد لمدة ثماني ساعات (من الصباح إلى المغرب) من 25 إلى 50 جنيهًا، تبعًا لحالة السوق، وقد تزيد التسعيرة في الأعياد.

 

وقد تأكدتُ من صحةِ هذا الواقع، إذ لاحظتُ أن المتسول "أبو مسنّ" على ظهره، يستخدم في تسوله طفلين متغيرين كل يوم أو يومين، وهذه الظاهرة تزداد وتتفاقم مع ازدياد الحال سوءًا وترديًا.

 

ومن الوسائل التقليدية المستهلكة ادعاء الشلل أو العاهة، وتجبيس الرجل، والجلوس على "عجلة المعوقين" التي يدفعها شاب أو طفل- مستأجَر طبعًا- إما بمبلغ محدد سلفًا، أو بنسبة من دخل المتسول الدعيّ.

 

وفي بداية العام الدراسي، أو قبلها بأسبوع أو أسبوعين نرى صورةً جديدةً من صور التسول، وأعرض واقعةً رأيتها بنفسي: سيدة يبدو عليها أنها محترمة تقدمت إليَّ في هدوء، ومدت إليَّ يدها "بدوسيه" من البلاسٍتيك الشفاف ليس به إلا ورقة واحدة مكتوبة بالكمبيوتر تتصدرها عبارة "المطلوب من الطالب فلان: 2100 جنيه مصروفات- 252 جنيهًا كُتب دراسية- 500 جنيه أوتوبيس.. إلخ".. وسألتُ السيدة: ماذا تطلبين? أطرقت بناظريها إلى الأرض حياءً، وقالت: يا بيه أنا لستُ متسولة، ولكني أجمع المصروفات الدراسية للولد من أهل الخير من أمثال سيادتك. سألتُ: وأبوه? أجابت: تعيش أنت. قلت: ممكن أخدمك بطريقةٍ أكثر فاعلية؛ لأن مدير المدرسة صديقي، ويمكن تخفيض المصروفات إلى النصف إن شاء الله.. قالت: يا ريت يا بيه، ولك ألف شكر.. سألتُها: لكن ممكن من فضلك أشوف بطاقتك?!! ظهر الاضطراب على وجهها، وشدَّت الدوسيه من يدي، وهي تقول في غضبٍ ممزوجٍ بالخوف: لا.. لحد كده لأ.. أنا قلت لك من الأول أنا لستُ متسولة، وسؤالك الأخير يدل على أنك لا تثق فيَّ".. وانصرفت السيدة "المحترمة" وهي تهذي بكلماتٍ متدافعة، لم ألتقط منها إلا عبارة ".. أعوذ بالله، الدنيا حصل فيها إيه يا ناس?"، ووجدتني أقول بيني وبين نفسي: "حصل فيها كتير.. كتير قوي يا ست.."

 

على مدخل مترو الأنفاق

كثيرًا ما أفضل- أنا وابني- استخدام مترو الأنفاق لاحتمال عدم وجود مكانٍ لوقوف السيارة وسط القاهرة حتى في الجراجات المخصصة، وعلى مدخل محطة البحوث بالدقي رأيت فتاةً في قرابة الخامسة عشرة من عمرها، وهي جالسة على أول سلمة من درج المدخل، وقد دفنت وجهها في كفيها وتبكي بكاءً مرًّا، وقد تجمع عددٌ من الناس حولها، ومنهم واحد يقول: "كل واحد بإيده يا إخوانا.. وادي جنيه مني". سألته:

 

- ما الخبر? أجاب: بنت غلبانة.. كانت متجهة للسفر إلى بلدها.. المنصورة، فنشلت منها الفلوس، سألتها فأكدت كلام الرجل.. ودموعها تسيل بغزارة.. سألتها: من أي حيٍّ.. أو شارع في المنصورة يا بنتي?.. نظرتْ إليَّ، ولم تجبْ.. وأجهشت بالبكاء.

 

قال الرجل "الخيّر" الذي فتح يده لجمع ما يعين الفتاة على السفر: "يا أستاذ حرام عليك.. حتبقى سيادتك والزمن عليها!!" قلت: "على كل حال محلولة.. أنا مسافر الآن أنا وابني إلى المنصورة.. قومي يا بنتي.. سأوصلك حتى باب بيتكم في المنصورة"، ولكن البنت انخرطت في موجةٍ من البكاء أشد وأعتى.

 

تركتُ البنت ومَن حولها- إذ لم أجد منها استجابة، وهبطتُ أنا وابني إلى آخر الدرج، وفجأةً سمعنا أحدهم يصرخ: "حرامي.. حرامي" واختفت البنت، واختفى الرجل "الخيِّر" الذي نشل "حافظة" أحد الواقفين المتزاحمين في المدخل الضيق لمترو الأنفاق، علمتُ أنَّ الرجلَ "الخير"
نشال "يوظف" هذه الفتاة لتمثيل هذا الدور، وهذا التزاحم يُمكِّنه من النشل بالمرتاح.

 

إنها نظرات ميدانية لواقعٍ يعيش ويتفاقم في مجتمعنا المطحون المحروق.

 

-----------

* Komeha@menanet.net