![]() |
|
فهمي هويدي |
(1)
أدري أن هذه دعوةٌ للسباحة ضد التيار، فنحن في زمن إذكاء نار الغضب واستعراض فنون التحريض والتشهير والهجاء، حتى يبدو أن المطلوب هو تأجيج الحرائق وليس إطفاءَها، وإثارة المخاوف وليس تهدئة الخواطر؛ ولأننا صِرْنا بصدد معركة اعتبرها البعض فاصلةً وحاسمةً ولأنه لا ينبغي أن يعلو صوتٌ فوق صوت المعركة.. فإن هذا الذي أدعو إليه يغدو انفصالاً عن الركب، وتغريدًا خارج السرب، وفي أحسن فروضه فإنه يعدُّ من قبيل الأذان في مالطة!!
ليت الأمر يقف عند هذا الحد؛ لأن عاقبة الأذان في مالطة تظل محتمَلةً في أسوأ حالاتها؛ إذ لن تتجاوز حدود انصراف السامعين واستغرابهم للضجيج الذي يُحدثه المؤذن، ولكن العواقب مختلفة في الحالة التي نحن بصددها بوجه أخص؛ لأن "المؤذن" إذا ما رفع صوته بمثل الدعوة التي أشرت إليها فإنه سيكون كمَن وضَع إصبعه في عشِّ الزنابير، وسيصبح ضحيةً للسعات كلّ الزنابير التي سوف يستثيرها ذلك "العدوان"، أعني أنه سيصبح هدفًا لسَيلِ الاتهامات التي لن تحفظ له حرمة ولن ترعى فيه إلاًّ ولا ذمةً؛ باعتبار أن الكلام عن تهدئة الخواطر في خضمّ معركة من ذلك القبيل انتظرها البعض طويلاً وتنافس كثيرون في الاحتشاد والاستنفار والتعبئة لأجلها، واعتاش آخرون من تسويقِها على مرِّ الأزمنة في مختلف دوائر القرار، مثل هذه الدعوة سوف تُعدُّ في نظرهم جريمةً لا تُغتفر.
في إعلامنا الآن "مكارثية" جديدة، على حد قول زميلنا خيري رمضان، تَصِم كلَّ من يختلف في الرأي إما بأنه "إخواني" أو أمن، والهدف من ذلك هو إثارةُ حالةٍ من الفزع تكمِّم الأفواه، ولا تجعلنا نسمع إلا صوتًا واحدًا، هذه العبارة ليست من عندي، ولكنها وردت في تعليقٍ كتبه زميلنا الأستاذ خيري رمضان- وهو أحد الناقدين للإخوان- في صحيفة (المصري اليوم- عدد 16/1) وقد خلص إليها بعد أن روى القصة التالية: ذات يوم نَشرَت إحدى الصحف تصريحاتٍ مثيرةً وصادمةً للدكتور محمد حبيب- نائب مرشد الإخوان- حول الأقباط واستنساخ التجربة الإيرانية في مصر، لكنه نفى تلك التصريحات في برنامج تليفزيوني، وفي يومٍ تالٍ استضاف التليفزيون المصري رئيس تحرير الصحيفة المذكورة ومحرِّرةً ادَّعت أن الكلام الذي تمَّ نفيُه مسجَّلٌ على شريط لديها، وحين تمت إذاعة بعض مقاطع من التسجيل- والكلام لخيري رمضان- كانت المفاجأة أن الرجل لم يقُل الكلام الذي نُسِبَ إليه وبدا حريصًا جدًّا في تصريحاته.. المفاجأة الكبرى- أضاف زميلنا- أن الجميع تجاهلوا ما جاء على لسان الرجل، وتعاملوا مع ما نُشِرَ على أنه الحقيقة الكاملة، أما الأغرب فإن المشاركين في البرنامج لم يتوقفوا واستمروا في الهجوم على آراء الدكتور حبيب التي لم يقلها!!
(2)
لا أعرف كيف يمكن للمرء وسط حملة التعبئة المضادَّة أن يقنع المتلقِّي بأنه لا يدافع عن الإخوان على وجه التخصيص وإنما يدافع عن استقرار الوطن وسلامه الاجتماعي، من خلال الدفاع عن حقِّ تيارٍ أصيلٍ فيه؛ لممارسة حريته في التعبير والمشاركة في إطار القانون وحمايته، وهو دفاع موصول في جوهره بقضية إطلاق الحريات العامة في المجتمع التي تهدِّد بتقليصها التعديلات المقترحة للدستور على النحو الذي أفاض فيه بعض الكتَّاب الشرفاء.
قبل نحو عشرين شهرًا في 24/5 /2005م نشرتُ مقالةً في هذا المكان تحت عنوان (التدرج هو الحل) قلت فيها ما نصه: أن ثمة شواهد عدة تُوحي بأنه تم تجاوز السؤال "هل" يُست
