تحليل إخباري- أحمد التلاوي
مع تبنِّي اتحاد المحاكم الشَّرعيَّة الإسلاميَّة في الصومال على لسان نائب رئيس المحاكم أحمد قاري لعددٍ من العمليَّات العسكريَّة ضد قوات الاحتلال الإثيوبيَّة التي دخلت البلاد قبل نحو أسبوعَيْن تدخل الصومال مرحلة جديدة في تاريخها السِّياسي تُعتبر هي الأهم ربَّمَا منذ بضعة سنوات في إطار الحرب الأهليَّة المُدمِّرة التي بدأت في هذا البلد العربي المسلم قبل نحو 16 عامًا بعد سقوط نظام الرئيس الأسبق محمد سياد بِرِّي في العام 1991م.
وازداد عمق التَّطوُّرَات التي وقعت في الصومال في الآونة الأخيرة وتحدثت التقارير عن وجود قوات عسكريَّة أمريكيَّة بريَّة في بعض مناطق الجنوب الصومالي، بالقرب الحدود الصوماليَّة مع كينيا بهدف المشاركة في تعقب عناصر اتحاد المحاكم الإسلامية في تلك المناطق.
![]() |
|
الشيخ شريف شيخ أحمد |
وبالرغم من قيام شيخ شريف شيخ أحمد رئيس اتحاد المحاكم الإسلاميَّة بتسليم نفسه للسلطات الكِّينيَّة يوم الإثنين 22/1/2007م، إلا أنَّ ملف المقاومة الإسلاميَّة المتصاعدة في منطقة القرن الأفريقي ضد المشروع الأمريكي ومن يدعمونه في أديس أبابا في الصومال وما حوله وفق العديد من المراقبين سيكون هو ربما الرقم الصعب في إدارة ملف القرن الأفريقي في المرحلة القادمة.
وفي حقيقة الأمر فإنَّ أهميَّة هذه المرحلة في تاريخ الصومال لا تتأتَّى من كونها ذات صلة بأزمة سياسيَّة وإنسانيَّة عميقة تُهَدِّد أشقاء عرب ومسلمين بقدر ما هي أيضًا ترتبط بالعديد من التَّطوُّرات الإقليميَّة ذات الصِّبغة الدوليَّة والتي تمس في كثيرٍ من جوانبها اعتبارات الأمن القومي العربي بامتيازٍ في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ الأمة.
فَفي الواقع فإنَّ تطوُّرات الأوضاع في القرن الأفريقي في الوقت الراهن ترتبط بعديدٍ من الملفات المتصلة بالعالم العربي في محاوره الجنوبيَّة التي تفتح على القارة السمراء في لون أبنائها والحمراء في لون نزاعاتها؛ فهناك أزمة دارفور وكذلك أزمة عدم تطبيق اتفاقيَّة نيفاشا لسلام الجنوب السوداني المُوقَّعة في التاسع من يناير 2005م؛ وكلا الأزمتَيْن محور مهم في حصار السودان كضلعٍ رئيسي في حماية الأمن القومي العربي في بوابته الجنوبيَّة، مع مشاركة تشاد في هذه المسألة عبر ملف القبائل العربيَّة المُهدَّدَة بالطرد من تشاد، وكذلك عن طريق إثارة الأزمة تلو الأخرى مع الخرطوم، مرةً بزعم دعم الخرطوم لمتمردي شرق تشاد، وتارةً أخرى بحجة أنَّ الحكومة السودانيَّة لا تفعل كل ما بوسعها لعلاج الملف الإنساني في دارفور.
وأيضًا هناك الأزمة الكبرى التي طفت على السطح مؤخرًا ولكنها لا تزال مكتومة وتحت السطح، وهي تلك المُتَعَلِّقَة بملف الأمن القومي المائي المصري كما سوف يرد لاحقًا؛ وهكذا فإنَّ الوضعَ في القرن الأفريقي مرتبط بالكثير من "الأطراف العصبيَّة" التي تمس الحالة العربيَّة والإسلاميَّة في الوقت الراهن.
والعجيب هو التشابه غير العادي بين الظروف السِّياسيَّة التي تعمل في إطارها المحاكم في موضوع المقاومة ضد المستعمر الأجنبي وبين ظروف غيرها من البلدان العربيَّة والإسلاميَّة التي تواجه غزوًا أجنبيًّا سواء في مبدأ الأمر أو في وضعه الراهن؛ فالمحاكم تواجه جانب من جوانب المشروع الإمبريالي الأمريكي كما هو الحال في أفغانستان والعراق والسودان وغيرها من الدول العربيَّة والإسلاميَّة.
كذلك هناك أطراف إقليميَّة تدعم الأجندة الأمريكيَّة في كلِّ هذه الحالات؛ فكما تلعب إسلام أباد هذا الدور في الحالة الأفغانيَّة، وتلعبه القاهرة وعمَّان في الملف الفلسطيني، هناك أديس أبابا
