بقلم: م. خالد حفظي*

 الصورة غير متاحة

 م. خالد حفظي

لا يختلف اثنان على أن أقصر مسافة بين نقطتين هي الخط المستقيم، ولكن عباقرة الحزب الوطني لهم رأيٌ آخر!! فبرغم أن السير في الخط المستقيم يوفر الجهد والوقت والمال, وقبل ذلك وأهم منه أنه يحفظ من الزلل ويضمن الوصول لبر الأمان, إلا أن حكومتنا الرشيدة في مواجهة كل أزمة وأمام كل قضية تأبى إلا أن تسير في كل الخطوط إلا الخط المستقيم، وبطبيعة الحال تكون النتيجة مزيدًا من الأزمات, ومزيدًا من المضاعفات والتفاقمات للأزمة الأصلية, وهكذا نجد أنفسنا أمام دوَّامة لمسلسل لا متناهٍ من الأزمات والمشكلات التي كان من الممكن تجنُّبها لو سِرْنا في الخط المستقيم.

 

هذا هو بيت القصيد في علاقة الحكومة بكل فئات المجتمع بلا استثناء، ولعلنا جميعًا عشنا مؤخرًا أزمة الحكومة مع القضاة، ولا يخفَى على أحد ما وصل إليه المجتمع بأسره آنذاك، من حال الاحتقان والتوتر النفسي والعصبي، والذي كاد أن يصل بالأمور إلى حد الكارثة (وهو ما زال مرشحًا لذلك إن لم ترجع الحكومة عن عنادها واستكبارها)، في حين أن المسألة كان يمكن أن تُحل ببساطة شديدة لو أن حكومتنا الرشيدة سارت في الخط المستقيم، وأجابت القضاة في طلبهم المشروع بأن يكون لهم استقلالهم الكامل غير المنقوص.

 

واستكمالاً لمسلسل العناد والاستكبار ووضع الرؤوس في الرمال هربًا من مواجهة الاستحقاقات ما زال عباقرة الحزب الوطني ينعتون جماعة الإخوان المسلمين بالمحظورة!! وكلمة (محظورة) كما نعلم هي اسم المفعول من الفعل (حظر)، وهنا أسأل هؤلاء العباقرة عن اسم الفاعل: من هو؟! ومن أعطاه هذا الحق؟!

 

ولعله من الطريف هنا أن أذكر أنني في كل مرة أقرأ فيها هذا الوصف أو أسمعه أتذكر هذه الجملة (اللي نازل المطار السري) وهي جملة كان يقولها محصِّلو التذاكر في وسائل النقل العام في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي في المحطة المقابلة لمطار إمبابة بالقاهرة، تم صارت بعد ذلك نكتة يتندَّر بها المصريون على من ينكر ما يراه الناس في وضح النهار.

 

منذ خاض الإخوان غمار العمل العام وهم ينتقلون من نجاح إلى نجاح، ومن انطلاقة إلى أخرى أقوى منها وأشد، وفي كل مرة يزداد قبول الناس- كل الناس- لهم، بدءًا باتحادات طلاب الجامعات، ومرورًا بالنقابات المهنية، ثم انتهاءً بانتخابات مجلس الشعب الأخيرة، ولست أدري كيف تحقق جماعة مثل ما حقَّقه الإخوان، من انتشار وقبول بين الناس، ثم بعد ذلك توصف بالمحظورة؟! ورحم الله من قال:

 

وهل يصح في الأذهان شيء     إذا ما احتاج النهار إلى دليل؟!

طوال مسيرة الإخوان في العمل العام كان المستفيد الأول على الدوام هو الوطن، ولعلي لا أذيع سرًّا إذا قلت إن أعلم الناس بهذا هم أركان النظام أنفسهم، وقد أجمع القاصي والداني على أن مشاركة الإخوان في الحياة العامة أكسبت العمل العام ثراءً وحيويةً، وأضفَت عليه بُعدًا اجتماعيًّا لم يكن موجودًا قبل ذلك، وغيَّرت كذلك مفهوم الولاية العامة عند الناس، فصار الذي يتصدَّر للعمل العام من الإخوان خادمًا للناس وقاضيًا لحاجاتهم، على غير ما قد ترسَّخ في أذهان الناس قبل ذلك من أفعال وسلوكيات الآخرين.. من أن العمل العام ليس إلا طريقًا للسلطة والثروة، ولا زلت أذكر حديثًا مع أحد الزملاء المهندسين الأقباط في أحد انتخابات نقابة المهندسين لما سئل عن سبب اختياره لقائمة الإخوان، فأجاب الرجل ببساطة متناهية:

"لأني عارف إن حقي هيرجعلي، وإذ أنسى فلن أنسى يوم وقف الدكتور ميلاد حنا في أحد اجتماعات الجمعية العمومية للمهندسين وقال بالحرف الواحد: "إنني أفخر بالعمل مع هذه المجموعة من شباب مصر، وقد كان وقتها رئيسًا للجنة الإسكان بالنقابة، وكان غالبية أعضاء مجلس النقابة آنذاك من الإخوان.