بقلم: م. خالد حفظي*

ملأ كياني الحزن والأسى وأنا أقرأ بيان ونداء د. عبد المنعم أبو الفتوح المنشور مؤخرًا, والذي يُوضِّح فيه موقف السيد الرئيس من الإخوان في بداية عهده, ونفي سيادته أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة لعلاقة الإخوان بالعنف والتطرف, مع إشارته إلى لقاءات السيد الرئيس المتعددة بالأستاذ عمر التلمساني رحمه الله وقت أن كان سيادته نائبًا لرئيس الجمهورية.

 

ولا أخفي على القارئ الكريم أنني شعرتُ- مع قراءة البيان- بما لم أشعر به من قبل قلقًا وخوفًا على هذا الوطن مما يُحاك ويُدبَّر له بالليل والنهار, وقد وقفتُ أمام البيان طويلاً, وقرأته مرات ومرات, فدلائل الكلام خطيرة ومقلقة بل ومفزعة كذلك, وخاصةً إذا صدر مثل هذا الكلام عن رجلٍ في مثل مكانة ومنزلة ومسئولية الدكتور عبد المنعم, وفي هذا التوقيت الحرج بالذات.

 

ومع خطورةِ النداء وأهميته- كما أسلفت- إلا أنني وقفت بكثير من التمعن والتدقيق أمام مسألتين هما غاية في الأهمية والخطورة في آن:-

 

أولاهما: حديث الدكتور عبد المنعم عن اتصالات وصلته من بعض الغيورين على هذا البلد, والتي يحذره فيها أصحابها من أن (جهات بعينها) تدفع وبشكلٍ مريبٍ في اتجاه التصعيد من قبل النظام ضد الإخوان, ومن ثم جر البلد إلى دوامةٍ من عدم الاستقرار.

 

ثانيهما: إعلان الدكتور عبد المنعم عن الاستعداد لتجميد أنشطة ومشاركات الإخوان في الحياة العامة إذا كانت تلك المشاركات فيها تهديد لأمن واستقرار هذا البلد.

 

وأصدق القارئ الكريم القول بأنني- وفور انتهائي من قراءة البيان- قد أصبت بحالةٍ من الهمِّ والغمِّ, وقد وجدتني وأنا في هذه الحالة والمشهد الفلسطيني يقفز إلى ذهني بكل تفاصيله وملابساته, ولا أدري لماذا وكيف استدعت الذاكرة هذا المشهد بعد قراءة البيان المشار إليه؟ منذ إعلان حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عن مشاركتها في الانتخابات التشريعية الفلسطينية وحتى هذه اللحظة.

 

الغريب والعجيب في الأمر أنني وجدت تشابهًا كبيرًا بين المشهدين, والأغرب والأعجب أن هذا التشابه قد وصل إلى حدِّ التطابق في كثيرٍ من الأحيان.. في البداية زخمٌ إعلامي وتسويقٌ مبهر للعملية الانتخابية, تبعه تبشير بما قد تحققه من آثار, ثم في الختام انقلابٌ مفاجئ وبشكلٍ مأساوي ودموي على نتائج الانتخابات واختيار الشعب الذي أغضب في الحالتين أهل السلطة والسلطان.

 

كلمة السر لبدء الالتفاف على اختيار الشعب والقفز فوق إرادته كانت في الحالتين واحدة: الحصار والمقاطعة, اختلفت التفاصيل تبعًا لاختلاف الظروف والملابسات في كل حالة, لكن بقي الهدف واحدًا في الحالتين: لا بد من إفشال التجربة ومعاقبة الشعب على اختياره.

 

هنا تعليمات وأوامر صريحة لكل مسئولٍ في الدولة بعدم الاستجابة لطلبات نواب الشعب من الإخوان, ومحاصرتهم والتضييق عليهم في الأنشطة التي يمارسونها, مع وصول المسألة لحد معاقبة أي مسئول حكومي يثبت (تورطه) في تلبية أي مطلبٍ لنواب الشعب من الإخوان.

 

أما هناك فإعلانٌ صريحٌ وواضحٌ منذ اللحظة الأولى عن مقاطعة حكومة (حماس) وعدم مشاركتها أو مساعدتها في تحمل المسئولية, ثم بعد ذلك إضراب نسمع عنه كل ساعة, تنظمه وتدعو إليه وتدعمه (جهات بعينها) كذلك, لإصابة الحياة بالشلل ووضع الشعب الفلسطيني وجهًا لوجه مع حكومة (حماس), وهكذا صار اللعب (على المكشوف) كما يُقال، وفي سبيل تحقيق ذلك الهدف (وهو إفشال التجربة ومعاقبة الشعب على اختياره) لا يهم أن تتعطل مصالح الناس هنا, أو تصاب الحياة بالشلل هناك, وإذا وصل الأمر إلى حدِّ إسالة الدماء وقتل الأبرياء فلا مانعَ مطلقًا, وإذا دعت الحاجة إلى تدبير الفتن وشق الصفوف والدفع المريب بالمجتمع إلى حالة من الاضطراب والفوضى فكل هذا يهون, ولا داعي للوقوف أمامه كثيرًا.

 

وللحقيقة أقول: إنني حتى قراءة بيان الدكتور عبد المنعم كنت أشك أن في مصر دحالين (بحاء مخففة), ولكن بيانه أكد لي ما كنت أخشاه , فهؤلاء (الدحالين) معلومة أجندتهم في الحالتين, وولاؤهم كذلك معلومة وجهته, هؤلاء أجندتهم وولاؤهم يسيران في كل اتجاه, إلا اتجاه واحد: مصلحة الشعب وأمن الوطن واستقراره.

 

وأتصور أن الحديث في هذه النقطة تحديدًا هو المدخل الملائم للحديث في المسألة الثانية, وهي الاستعداد لتجميد مشاركة الإخوان في الحياة العامة إذا كانت تلك المشاركة فيها تهديد لأمن الوطن واستقراره!!!, سبحانك ربي.. هل وصل نفوذ هؤلاء (الدحالين) في مصر إلى هذا المستوى؟ وهل يتصور عاقل في هذا البلد أن مشاركة الإخوان في الحياة العامة فيها تهديد لأمن البلد واستقراره؟! وهل بقي في قلبه أو عقله مثقال ذرة من حب أو ولاء لهذا البلد من يظن أن مشاركة رجال من أمثال عبد المنعم أبو الفتوح وعصام العريان وجمال حشمت وخيرت الشاطر ومحمد حبيب وأمثالهم في الحياة العامة في مصر فيها تهديد لأمن البلد واستقراره؟!!.

 

وقد ذكرني هذا الأمر بجدلٍ طال الخوض فيه إبان إعلان الإخوان عن مشاركتهم في انتخابات مجلس الشعب الماضية, وما بدا في بداية الأمر من استعداد النظام لتقبل هذه المشاركة, كان السؤال المثير للجدل آنذاك: كيف يسمح النظام للإخوان بهذه المشاركة؟ وكنت على الدوام أقول لمَن يسألني هذا السؤال: إن المستفيد الأول من هذه المشاركة هو النظام نفسه, إذ إن هذه المشاركة تكسب النظام شرعية هو في أمسِّ الحاجة إليها, هذه الشرعية التي أجمعت كل ألوان الطيف السياسي على افتقار النظام إليها, وهنا يأتي السؤال: أيهما فيه الخطر على أمن الوطن واستقراره .. مشاركة الإخوان أم عزلهم؟!.

 

------------

* abooghad1@yahoo.com