جاء في معاجم اللغة: "الحظر هو المنع والحجْر، وهو ضد الإباحة. وحظره، فهو محظور أي مجرم"..
وجماعة "الإخوان المسلمين" تكاد تفرد في الساحة السياسية بإلصاق هذا الوصف بها، فيقال "جماعة الإخوان المحظورة"، ويجري هذا التوصيف على ألسنة كبار الحزب الوطني ورجال السلطة، ومَن سار على دربهم من الصحفيين وغيرهم.
وأوصاف أخرى
ومن الأوصاف التي تُخلَع على الجماعة أيضًا ما نراه في قولهم "جماعة غير شرعية" أو "جماعة غير مشروعة".. وأقدَم من ذلك قولهم "الجماعة المنحلَّة"، وهو وصفٌ غالط لغويًّا؛ لأن "الانحلال"- وهو يعني التفكك- فعل ذاتي وليس فعلاً غيّريًّا، فهو يعني أن الجماعة حلَّت نفسها بنفسها، فهي "منحلَّة" أي مفكوكة مبعثرة، من "حلّ" العقدة.. أي فكَّها.
كذلك يخالف هذا الوصف "العُرف الاستعمالي" الذي دأب على استخدام الكلمة بمعنى "الانهيار الخلقي"، فيقال "هذا إنسان منحلّ" أي: فاسد عربيد، سيِّئ الخلق والسلوك.
ويقال "حزب مشروع" أي يتمتع- قانونًا- بالوجود، ومزاولة النشاط، والمشاركة في الحركة السياسية.
ويقال: حزب محظور، أي يحرم القانون قيامه ومزاولة نشاطه، وعمله الحزبي كشخصية "اعتبارية"، وإن سُمح بذلك لأفراده بوصفهم مواطنين.
التمادي في المغالطة والتخبُّط
وقد رأيت وسمعت أكثر من واحد من "أساطين" الحزب الوطني- في أوقات متفرقة- ينكرون وجود الإخوان مطلقًا بتصريحات غريبة تكاد تتفجر غيظًا ونقمةً وحقدًا، مثل "مفيش شيء عندنا اسمه إخوان"، "مفيش حاجة عندنا اسمها إخوان"!!
عجيبة والله!! والملايين التي كان لها حضورها القويّ الساطع في "مظاهرة الاستاد"، والنقابات، والجنائز، ومجلس الشعب.. إلخ، ألا تدخل هذه الملايين تحت مفهوم "الشيء" اللي اسمه إخوان؟! أم أن هؤلاء من الهكسوس أو الهنود الحمر؟!
ومع ذلك نجد كبارًا جدًّا يرفضون الأخْذ بالديمقراطية في صورتها السوية؛ لأنه لو حدث ذلك "لجاء" "الإخوان المسلمون" أي لاختارَهم الشعب حكَّامًا ونوابًا، فكيف يستقيم الرأيان المتناقضان؟ بل قرأنا "لأستاذ كبير" يقول إن التطبيق الديمقراطي- في صورته السليمة- يوجب علينا تخطِّي "الإخوان المسلمين" الله!! إذن هناك "شيء" خطير اسمه الإخوان المسلمون.. ولاّ إيه؟؟
السخرية من رسول الله صلى الله عليه وسلم
وربما استأنس الكاتب المذكور بما كتبه أحدهم في أحد "مواقع النتّ" يقول: "لا بدَّ من رَكْن هؤلاء الإخوان على جنب (أي إغفالهم) عند التطبيق الديمقراطي؛ لأن الواحد منهم- مثل عمرو خالد- لو رشَّح نفسه للرياسة لحصل على أغلبية مطلقة؛ إذا بشَّر- في دعايته- مَن ينتخبُه بشربة هنية من الحوض الذي سيَشرب منه "النبي محمد" يوم القيامة، شربةً لا يظمأ بعدها أبدًا" (ملاحظة: عمرو خالد ليس عضوًا في جماعة الإخوان) وهكذا لا مانع عند هذه الفقاقيع السياسية والصحفية أن تهبط إلى الدرك الأسفل من الرجولة والخلق بالكذب والافتراء، والسخرية من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والمبادئ والمقولات والقيم الإسلامية.
الحظر في واقعنا السياسي..
الحظر- لغة- هو المنع والحجر، كما ذكرنا، ودون أن ننفصل عن هذا التعريف، وفي ضوئه أرى من الضروري- في هذا السياق- أن نلقيَ نظرةً على واقعنا السياسي والحزبي في العهد المباركي:
1- فهناك أحزاب وُلِدَت "محظورة بطبيعتها، وحظرها حظرٌ ذاتي إرادي، فهي أحزاب "مجمَّدة" أو معلَّبة؛ لأنها لا تملك من "القدرة" والقوة الشعبية ما يمكنها من التحرك والتأثير، والناس لا يعرفون إلا اسم رئيس الحزب، وأعضاء مجلس إدارته هم جمهوره وأنصاره، ولا يعرفهم الناس، ولا يعرفون عنهم شيئًا، وما سمحت الحكومة بقيام عدد من هذا "النوع" "الجامد أو المجمَّد أو المعلَّب" إلا ذرًّا للرماد في العيون، وهي تدَّعي بأننا "دولة ديمقراطية"، بدليل وجود هذا العدد الكبير من الأحزاب عندنا.
2- وهناك أحزاب محظورة حظرًا جزئيًّا فهي مشروعة، ولكنها لا تملك من حرية الحركة إلا ما تسمح به الحكومة، وشبيه بذلك حالة حزب "العمل" الذي «جُمِّد» نشاطُه مع أنه نشأ مشروعًا في الأصل.
الحزب الوطني هو المحظور
والذين يحكمون بالحظر أو الإباحة في مجال الأحزاب يعتمدون على الظاهر المشهور من التحرك والنشاط والإجازة القانونية، ويغفلون أهم قواعد الثبات والبقاء والتفوق الحزبي، وأعني بها القاعدة النفسية، أي مكان أو مكانة هذا "التنظيم الحزبي" قادةً ومبادئ وخططًا في نفوس أعضائه خاصةً، ونفوس الشعب عامةً؛ لأن الحظر أو الإجازة لا يكونان بقرار حكومي سلطوي، ولكن بقرار شعبي عملي يصدر بلسان الحال، لا لسان "المقال"، ويتمثل في ثلاثية: الحب، الاعتناق، الالتفاف.. أي حب الأعضاء للحزب وإخلاص الود والوفاء له، واعتناق مبادئه، والإيمان بها إيمانًا عميقًا، والالتفاف بمعنى حماية الحزب، والتضحية في سبيله بالنفس والولد والمال.
ولننظر إلى الحزب الوطني، وترجمته تتمثل مفرداتها فيما يأتي:
1- إمكانات ضخمة من المال والمباني والحراسات وأمن السلطة.
2- أغلبية مدَّعاة، قالوا إنها لا تقل عن 80%، وإنها لن تقل عن ذلك في المستقبل، وكل مستقبل، بل ستزيد زيادات مطردة، بذلك صرَّح الشاذلي ذات يوم لصحفي "بالعربي الناصري" وأقول "قلبك أبيض يا شاذلي... فالغيب لا يعلمه إلا الله".
3- براعة فائقة في فنون تزوير الانتخابات والإرادات، والتأمين "الأمني" المكثَّف.
4- تقديم أهل الولاء الحزبي على أصحاب الخبرات والولاء الوطني، بصرف النظر عن مصلحة الشعب، وخصوصًا الطبقات الدنيا.
5- الوعود البرَّاقة التي لم يتحقق منها شيء، بل تحقق بها نقيض المنشود، مثل: الوعد.. بل الوعود برفع المعاناة عن المواطنين، والقضاء على البطالة، والارتفاع بمستوى التعليم والثقافة.. إلخ.
وبعد كل أولئك من حقي أن أقول إن هذا الحزب الوطني هو "المحظور" الأول في كل الأحزاب، فهو "المكروه" الأول، وهو "المعزول" الأول، فليس له "قاعدة نفسية" في نفوس الشعب، بل بنَى كبارهم بينهم وبين قلوب شعبنا المطحون حائطًا خرسانيًّا سميكًا متينًا، فإذا سمع أحد المواطنين اسم "الحزب الوطني" قفزت إلى خاطره كلمات النفعية والادعاء والتزوير والبهرجة و"العض" على الكراسي بأسنان أقوى من حديد "أحمد عز"!!
دعوة بريئة
وأُساير كبار الحزب الوطني وأحاول أن أصدق أن الوطني هو حزب الأغلبية، والحزب "الشعبي" الوحيد، فلماذا يحظرون أن يكون لقاؤهم مع الناس لقاءً مفتوحًا، بل يكون الحضور لمن "يجيزه" الأمن؟ ولم يحدث مرةً أن جُعلت "الدعوة عامةً"، بل تُختار شخصيات الحاضرين على "الفرازة" الأمنية، وأكثر من هذا تجد الأسئلة مكتوبةً للسائلين، وقد يحفظ أحدهم سؤاله عن ظهر قلب.
وأذكر أنني من بضع سنين دُعيت إلى مشاركة شعرية في مقر الحزب الوطني بشارع القصر العيني بمناسبة انتصار أكتوبر، وبعد أن ألقيت قصيدتي ارتجَّ المبنى والشارع بحركة غير عادية، ورأينا "كبيرًا جدًّا" من كبار قادة الحزب الوطني (ولم يُعلَن عن حضوره من قبل)، وتصدَّر المنصة فتكلم كلامًا وجَّه الشباب به إلى العمل على مصلحة الوطن.. كان حديثه بالعامية "المكسرة".. أما الأفكار فسطحية.. سطحية، مع أن الحاضرين والحاضرات جميعًا من شباب الجامعات، وجاء دور الأسئلة.. خمسة أسئلة.. ألقاها خمسة أفراد منهم طالبتان... الورق متماثل، والأسئلة تسير في اتجاه واحد، ثم زال استغرابي حينما أخبرني أحد أصدقائي أنه كان في الحجرة المجاورة قبل بداية الأمسية، ورأي أحد المسئولين ينزع أوراقًا من "مفكرة" بتواريخ متتابعة، ويملي على كل شخص سؤاله ويراجعه معه.. قلت في نفسي: برافو.. برافو يا وطني!! أهكذا تعلِّمون أبناءنا الغش والتزوير؟
وأذكر بهذه المناسبة أنه في واحد من لقاءات الرئيس مبارك بطلاب الجامعات وقفت طالبةٌ- وكانت حافظة سؤالها العجيب- ونصُّه: يا سيادة الريس: أنت بالنسبة لنا الأب المحب الرحيم، وإحنا قربنا من العيد، وكل أب بيدِّي لكل واحد من أولاده هدية في العيد، فإيه هي الهدية التي هتديها لنا في العيد؟
وصفَّق الحاضرون تصفيقًا حارًّا.. وكنت أعتقد أن السؤال سيكون عن كيفية معالجة حمَّى الغلاء التي تخنق الناس وخصوصًا في المواسم والأعياد!!
أما تكوين الوطني "للمظاهرات" فمسألة معروفة عند الصغير والكبير.. فبعد المظاهرة الإخوانية في- استاد القاهرة- المظاهرة التي حضرها مئات الألوف في نظام عجيب فريد، ومُنع من حضورها مئات ألوف أخرى، وسُدَّت مداخل القاهرة عن الإخوان القادمين من المدن والقرى، بعدها بأيام كانت "مظاهرة الوطني".. المظاهرة التي كان على منصتها الشاذلي والشريف وعادل إمام، يومها نشطت الباصات السياحية في نقل الموظفين، والعمال بالأمر (أما المقابل فمعروف، والويل لمن خالف)، وكانت المظاهرة خارج الاستاد، لا داخله، ويرجع ذلك لسببين:
الأول: أن كل المتظاهرين لن يشغلوا مدرَّجًا واحدًا من مدرجات الاستاد الذي ضاق بكل مدرجاته وطرقه وملعبه عن الإخوان من قبل.
الثاني: العجز المتوقع عن ضبط المتظاهرين وتنظيمهم، ويومها أدرك الشعب الفارق بين حزب "محظور" بأمر الحكومة، وحزب محظور ملفوظ مكروه "بأمر الشعب".
وضحكت- والله- وأنا أسمع الشريف يخطب الحاضرين قائلاً: "يا مظاهرة المليون.. هذا يوم من أيام مصر.. إلخ.. وضحكت وأنا أرى عادل إمام يذكرني بنفسه في فيلم "الأفاكاتو" رأيته يخطب وقد فتح عينه اليسرى "بزيادة" عن اليمنى.
فإذا ما أرتجَّ عليه- أي عجز عن مواصلة الكلام- هتف ليردد الجمهور هتافه "لا للحرب.. ونعم للسلام".. ويظل يكررها حتى يفتح الله عليه بكلمتين فيواصل..!! ولم تُخدش أمريكا أو إسرائيل أو بوش بهتاف واحد، ولا حتى كلمة مكتوبة على لافتة، ولكن يبقى الأكثر إضحاكًا كلمة الشريف "يا مظاهرة المليون.."؛ لأن عدد المتظاهرين لم يكن يزيد على عشرين ألفًا بأية حال، ولكن استُخدمت "الحيل" السينمائية في التصوير من زوايا متعددة؛ مما يدل على براعة "الكبار" لا في التزوير الانتخابي فحسب، ولكن في "التزوير التصويري" كذلك.
وأخيرًا.. أقول همسًا: إن الذي دفع السادات إلى إنشاء هذا الحزب معروف مشهور "ولا قيمة لما قاله السادات أيامها: "وسينطلق هذا الحزب من بيت الزعيم مصطفى كامل بالسيدة".. وهذا كلام لا قيمة له، لأنه في منهجه وصورته وسلوكياته لا علاقة له بمصطفى كامل، إنما وُلد بإصرار من "الصديق بيجن" بطل كامب ديفيد وجاء سليلاً لأحزاب ولدتها "الميمونة" التي قامت سنة 1952، وشاهدنا في عهدها مصارع أحزابها "الثورية" وسقوطها الذريع: هيئة التحرير- الاتحاد القومي- الاتحاد الاشتراكي- حزب مصر، ثم الوطني.. ولكل أجل كتاب.
كان "حزب مصر" آخر مواليد "الميمونة": جده المباشر كان اسمه "هيئة التحرير" وأبوه هو "الاتحاد الاشتراكي"، الذي أنجب المحروس "حزب مصر"، وفي أغسطس سنة 1978 أعلن السادات "بقرار منه" إنشاء "الحزب الوطني" ولم يصدر قرار بحل "حزب مصر"، ولا بحل ابنه وجده، وهذا يعني أن مَن تمسك بعضويته في حزب مصر لا يعد خارجًا على القانون، ولكن القلة القليلة جدًّا التي أعلنت تمسكها بهذه العضوية ألقي بها في غيابة الاعتقال، أما الغالبية الغالبة من النواب فهرولوا إلى الالتحاق "بحزب مصر" الذي أعلن السادات مولده، دون أن يعلن عن برنامج له.
وبدأت محنة مصطفى أمين
وفي عموده (فكرة) كتب مصطفى أمين في صحيفة (الأخبار) بتاريخ 15/8/1978 يقول "كنت أتمنى لو أن أعضاء مجلس الشعب لم يهرولوا إلى الانضمام إلى حزب الرئيس السادات الجديد، كنت أتمنَّى لو أنهم انتظروا حتى يعلن السادات برنامج الحزب وبحثوه، ودرسوه، ثم اقتنعوا به، وبعد ذلك قرروا الانضمام، كنت أتمنَّى لو أنهم انتظروا حتى يتألف الحزب فعلاً..".
وقامت قيامة السادات ورجاله، فأصدر عبد المنعم الصاوي- وزير الإعلام- قرارًا بمنع مصطفى أمين من الكتابة السياسية، فتوقفت (فكرة) ابتداءً من 18/8/1978، وفي اجتماع بمدينة "تلا" بتاريخ 22/8/1978 نوَّه السادات بقرار عبد المنعم الصاوي، وهاجم مصطفى أمين بشدة، مع أن مصطفى أمين عرض رأيه برفق وهدوء ورزانة، ويتلخص في نقطتين، عبَّر عنهما بأسلوب التمني:
الأولى: ألا يعلن عن ميلاد هذا الحزب إلا مصحوبًا ببرنامجه.
الثانية: أن يبحث النواب ويدرسوا هذا البرنامج، ويرجعوا إلى دوائرهم ويناقشوه مع من انتخبوهم قبل الهرولة إلى الانضمام لحزب يُزمَع إنشاؤه.
وكان للنفاق كلمة؛ إذ نشر المخرج السينمائي حسام الدين مصطفى في صحيفة (الأخبار) بتاريخ 17/8/1978 رسالةً موجهةً إلى مصطفى أمين، يوبخه فيها توبيخًا شديدًا، ومما جاء فيها ".. إن هرولة أعضاء مجلس الشعب للانضمام إلى الحزب الجديد هي أمر طبيعي، وتصرف تلقائي صادق، لم ينتظروا إعلان برنامج الحزب لأن أنور السادات نفسه هو البرنامج، تاريخ السادات النضالي الطويل من شبابه الأول حتى اليوم هو البرنامج...".
تواريخ.. ودلالات
وبعد الذي ذكرته آنفًا أذكّر القارئ بما يأتي:
1- أعلن السادات ميلاد الحزب الوطني بلا داعية ظاهرة، فقد سبق للسادات ورجاله إظهار الاعتزاز الفائق بحزب مصر ومبادئه كتنظيم حزبي غير مسبوق.
2- إثر ذلك أبدى مصطفى أمين اعتراضه في 15/8/1978 فكانت محنته التي أشرنا إليها.
3- تمسك أعضاء من ذوي الحيثية بعضويتهم في حزب مصر دون أن يهرولوا إلى الحزب الجديد فألقِيَ بهم السادات في غيابة الاعتقال، ومن هؤلاء: جمال ربيع، وأحمد سلطان وعبد العظيم أبو العطا- وزير الري- وقد وافته المنية وهو في المعتقل.
4- بعدها بشهر (في 18/9/1978) أُعلن رسميًّا عن اتفاقية كامب ديفيد، وذلك في مؤتمر صحفي حضره موقعو الاتفاق الثلاثة وهم: "السادات، وبيجن، والرئيس الأمريكي جيمي كارتر".
5- وتوالي هذه الوقائع بهذه السرعة اللاهثة يؤكد صحة ما قيل من إصرار بيجن وكارتر على "إنشاء" حزب جديد يمثل قوةً شعبيةً يستند إليها السادات في تأييد هذه الاتفاقية، وطبيعة هذه النشأة، وما عاناه الشعب من ديكتاتورية هذا الحزب وحكومته، وإغراق المواطنين في مستنقعات المشكلات، وفتح الباب للصوصية والرشوة والفساد الإداري، وضرب كل من يقف في وجه هذه المفاسد.. كل أولئك جعل هذا الحزب "محظورًا" بالمفهوم النفسي الواقعي للخطر الذي فصَّلنا القول فيه في مقالنا السابق، فهو محظور ممنوع بطبيعته من التسلل إلى قلوب الناس، والحظر- كما ذكرنا- لا يكون بقرار حكومي، ولكن بإرادة شعبية حرة.
مزاعم وافتراءات ساقطة..
ومع ذلك يردد كبار "الوطني" ومن يسير على دربهم من الآكلين على كل مائدة من الصحفيين والكتبة قولهم: جماعة الإخوان المحظورة... أو المنحلة... أو اللاشرعية.
وإني لأسأل: هل هؤلاء الإخوان مصريون؟ أم هنود حُمر أو سُمر؟ إن كانوا كذلك فجرِّدوهم من الجنسية المصرية، وإن كانوا مصريين فاتركوهم يتمتعون بحقوق المواطنة، ومنها حق تكوين حزب سياسي، وقد سمحتم بهذا الحق للمنخنقة والموقوذة، والمتردية والنطيحة، وما أكل السبعُ، فقامت أحزاب "شعبية" أغلبها لا تتجاوز أعضاء مجلس إدارتها، ويجهل المواطنون أسماءها.
ويرفع المنكودون- في كبر وغرور وخيلاء- صوت الاعتراض محتجِّين بمزاعم وافتراءات ما أنزل الله بها من سلطان: منها أن الإخوان أصحاب تاريخ دموي في القتل والاغتيالات والنسف، فيذكرون النقراشي وأحمد الخازندار (وكلها أحداث فردية تبرَّأ منها الإمام الشهيد حسن البنا)، وطبعًا لا يذكرون عودة وهواش والطيب وسيد قطب، ومذبحة طره.. إلخ.
ويزعمون أن الإخوان يعيشون في ضبابية فكرية فليس لهم برامج محددة، وخطط للحاضر والمستقبل، وهذا كذب صراح، فللإخوان برامج محددة دقيقة للنهوض بالأمة معروضة في رسائل الإمام الشهيد، مثل رسالة "نحو النور".. ومن أحدثها مبادرة فضيلة المرشد محمد مهدي عاكف.
ويزعمون أن الإخوان لو "حكموا" لعادوا بمصر إلى ظلمات القرون الوسطى، وعهود التخلف والضياع، وأقول: على أية حال هذه فرضية تحسمها التجربة العملية، ثم أسأل: هل نحن بحال أفضل من حال الناس في القرون الوسطى؟ أمامكم التاريخ ينقض ما تزعمون، ويقولون إن القانون يحظر قيام الأحزاب على أساس ديني؛ لأن ذلك سيشكل فتنًا دينيةً ويدفع الأقباط إلى المطالبة بإنشاء حزب مسيحي؟
وهو اعتراض غريب؛ لأن الأساس الديني لا يعني التعصب الأعمى، ولكن يعني الاعتزاز والتمسك بالقيم الأخلاقية والإنسانية، وهي قاسم مشترك بين كل الأديان، وقد صرحت القيادات الإخوانية بأن "حزبهم الجديد"- لو سُمح بقيامه- سيكون مفتوحَ الباب لمن يريد العضوية من الأقباط، وفي مصر جمعية "الشبان المسلمين" وجمعيات الشباب المسيحي، ولم يقع بينهم فتن ولا تطاحن.
وأعلن الإخوان ترحيبهم بقيام "حزب سياسي مسيحي" يلتزم بقيمه الدينية والمصلحة الوطنية..
والتجارب التاريخية تؤكد مصداقية طلب الإخوان، فقد نجحت التجربة نجاحًا باهرًا بقيام حزب "جبهة العمل الإسلامي" منبثقًا عن الإخوان بالأردن.
وإليكم الغرب مثالاً..
ففي إيطاليا: الحزب الديمقراطي المسيحي، وقد تركزت حملاته على حرب الماركسية بالمسيحية، ونال في انتخابات 1976 من الأصوات 7،38%. وفي ألمانيا: الحزب الديمقراطي المسيحي، وقد تبنَّى برنامجًا اقتصاديًا واجتماعيًّا مستوحَى من المبادئ الكاثوليكية الاجتماعية، والأفكار النقابية.
وقد نجح هذا الحزب منذ وصوله إلى الحكم 1949 حتى خروجه سنة 1969 في تحقيق ما سمي "المعجزة الألمانية"، أي إعادة تعمير ألمانيا ونقلها إلى مصاف أهم القوى الاقتصادية في العالم.
وفي الكيان الصهيوني هناك "الحزب الديني القومي الإسرائيلي" (المفدال) وقد نشأ سنة 1956، وشارك في كل الحكومات، وأعضاؤه في الكنيست لم يقلوا عن عشرة أعضاء، فلماذا هذه الحساسية المرضية الغريبة التي أصيبت بها كل حكومات "الميمونة" في عهودها الثلاثة؟
تاريخ شريف..
إن الإخوان أصحاب تاريخ نظيف مشرف من ثلاثة أرباع قرن في الجهاد ونشر التعليم، وتربية الشباب، والانتصار للفكر القيم الوضيء.. بإيمان قوي لا يضعف ولا يهون، وهذا هو سر بقائهم... وانتشار فكرهم، وامتداده إلى كل أرجاء العالم، ولم تفلح معهم وسائل الطغاة من قتل، وسجن، واعتقال، وتشريد، ومصادرة أموال، حتى أصبحت المحن التي تنزل بهم بابًا من أبواب الانتصارات والامتدادات المطردة، وصدق عليهم قول المتنبي عن نفسه:
رماني الدهرُ بالأنصال حتى فؤادي في غشاء من نبال
فكنت إذا أصابتني سهام تكسّرت النصالُ على النصال
موقع لا يُدمَّر ولا ينهار..
ومازال الإخوان يدعون إلى وحدة الصف، وتكثيف القوى الوطنية والقومية والإسلامية لحماية الوطن والأمة العربية من أعدائها، وإنقاذ شعبنا المسكين من الظلم والفقر والجوع والمرض.
ومد الإخوان أيديهم- ومازالوا يمدونها- بكل قوتهم وطاقتهم لأحزاب المعارضة، والتجمعات الوطنية والنقابية، وكذلك للسلطات والحزب الحاكم للنهوض بهذه المهام الخطيرة.
ولا ينكر عاقل أن الإخوان في دعوتهم، وسلوكهم الخاص والعام مثال حي للوسطية العادلة، بعيدًا عن الغلو والإسراف والتطرف، واستطاعت دعوتهم بهذا المنهج التربوي الرصين أن تشد إليهم مئات الألوف من المواطنين، وخصوصًا الشباب، فابتعدت بهم عن الفكر المدمر، والعربدة والفساد والسقوط؛ مما جعل الجماعة ذات نمو تصاعدي: من جمعية إلى جماعة، إلى حركة، إلي تيار.. يستقطب باطراد بصرف النظر عن "عضوية مكتوبة".
ومثل هذا التيار- كما أشرنا- يستعصي على أعدائه، ويستحيل حجبه، أو "حظره"، وكل محاولة من هذا النوع مصيرها الإخفاق الذريع؛ لأنها ضد طبائع الأشياء، وضد القانون الأزلي "البقاء للأصلح" الذي تجسد في الآية الكريمة: (فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) (الرعد: من الآية 17).
أقول هذا وأنا أرى "سلطاتنا" الرشيدة (!!) تحجب- أحيانًا- مواقع الإخوان في الإنترنت، إنهم قد يضربون للإخوان موقعًا أو ألف موقع، ولكن موقعهم الذي يستعصي على الضرب والاستسلام هو موقع "الإيمان" الراسخ في قلوب الإخوان، وكذلك "موقع الإخوان في قلوب الناس" إنها مواقع تزداد مع الأيام حصانةً وقوةً وامتدادًا.. ألم أقل لكم: "بل الحاظرون هم المحظورون"؟!
وقد يدَّعون أن للإخوان جيوشًا وأجهزةً وميليشيات ظاهرةً وخفيةً سريةً، ولا نملك إلا أن نقول بلسان الحال ولسان المقال: حسبنا الله ونعم الوكيل و"كبرت كلمةً تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا".
---------