بقلم: عبد المعز محمد*
يشهد بلاط "صاحبة الجلالة" هذه الأيام ظاهرة وإن كانت ليست جديدةً في وجودها إلا أنها انتشرت بشدة خلال الأيام الماضية وهي ظاهرة "صحفيو المباحث" وهم فئة من الصحفيين تربوا وترعرعوا في أحضان الجهات الأمنية بكافة أنواعها منذ أن كانوا طلابًا في الجامعات وحتى تبوءوا مناصب ومراكز مهمة في مؤسساتهم.
وبقدر ما تُمثله هذه الفئة من الصحفيين من عارٍ على المهنة، فإن هناك مؤسسات بأكملها تُعرف بصُحف ومجلات المباحث، والحالة الأقرب للقارئ والذي يكتشفها بدون جهد هي جريدة ومجلة (روزاليوسف)، وكما أنَّ هذه المجلة خاضت معارك قومية في عصرها القديم مثل قضية الأسلحة الفاسدة، فإنها خاضت أيضًا معارك ولكن لحسابِ جهاتٍ أمنية في عصرها الحديث.
وما زاد من فقاعةِ اللون المباحثي علي المؤسسة بكافة إصداراتها هو تولي أحدهم رئاسة تحرير المجلة والجريدة، وللأمانةِ فإنَّ الجهات الأمنية لم تُقصِّر في دعمه ومساندته بمدِّه بالمعلومات والموضوعات بل والتقارير المكتوبة ضد أشخاصٍ وهيئاتٍ وتحديدًا جماعة الإخوان ليقوم بصياغتها ونشرها، بل أيضًا دعمته من خلال دعم ابتزازه لشخصياتٍ مصريةٍ وعربيةٍ معروفة ليحصل على إعلاناتٍ وعمولاتٍ وهدايا والذي منه، وهو ما دفعه إلى العرفان بالجميل مع مَن "ربوه وودكوه وقلوظوه" ليصبح رئيس تحرير مجلة أسبوعية وجريدة يومية ومديرًا لمكتب جريدة كويتية، والمسئول المالي والإداري عن تليفزيون خليجي.
وهو ليس وحده في قائمة المتعاملين مع الجهاتِ الأمنية، بل ربما يزاحمه شخصيات صحفية معروفة من أبرزهم مساعد رئيس تحرير الأهرام وعضو مجلس نقابة الصحفيين، وهو غريب في أمره وتعليقاته فعندما أراد أن يُرشِّح نفسه لانتخابات مجلس نقابة الصحفيين بادر إلى زيارة مكتب الإرشاد ليحصل على دعم الصحفين الإخوان في الانتخابات، وقد أكد مقربون منه أن قياداته في وزارة الداخلية منحوه الإذن بالذهاب لمنيل الروضة وطلب الدعم من الإخوان، وتعهدوا بعدم معاقبته على ذلك، وإن كان الأول لا يُجاهر بتبعيته للأمن، فإن الثاني لا يتوارى عندما يتكلم عن جهاز الأمن بقوله "نحن سنقوم.. نحن سنفعل"، وهو ما يمكن أن تراه بوضوحٍ في حديثه للفضائيات بعد أي أحداث عنف تشهدها مصر فإذا سأله المذيع مثلاً: "عن تأخر قوات الأمن في كشف العملية" تكون إجابته: "إحنا واخدين كافة الاحتياطات اللازمة"، وطبعًا لا يخفى على أحد أنه الوحيد من بين أعضاء مجلس النقابة الذي رفض تقديم بلاغٍ من النقابة للنائب العام ضد وزير الداخلية- رئيسه المباشر- بسبب التجاوزات التي حدثت للصحفيات والصحفيين أمام نقابتهم أثناء أزمة القضاة.
وبين الاثنين السابقين فإن هناك محرر المصور ـ صديق المجرم "جون قرنق" عدو العروبة والإسلام ـ، وهذا المحرر الهمام يُعتبر نفسه حامي حمى الحرية والممسك بتلابيبِ البلاغة، ومعروف عنه ارتباطاته بالجهاتٍ الأمنية المختلفة، الأمر الذي ساعده في الحصول علي الدعم الكامل من الكاتب المخضرم مكرم محمد أحمد، ولعل "السبوبة" الرئيسية له بخلاف الجرعة اليومية في تجريحِ شخصياتٍ عامة وهيئات محترمة، كان حبيبه "جون قرنق" رئيس الجبهة الشعبية لتحرير السودان، والذي كان يعتبره فتاه المدلل والمتحدث الرسمي باسمه وشركائه في القاهرة، كما كان بمثابة المستشار الإعلامي للمعارضة السودانية في الشمال والمعروفة بالتجمع الوطني والتي يقودها عثمان المرغني، بل إنَّه كان من أكثر الشخصيات حزنًا على توصل الحكومة السودانية إلى اتفاقٍ مع خصومها من المعارضة، وربما كان ذلك لتخوفه من احتمال أن يقل أو ينقطع الدعم المادي الذي كان يحصل عليه.
والخلاصة أن الصحفي عندما يتحول من مخبرٍ صحفي إلى "مخبر أمني" فإنَّ هذا يطعن في شرفه المهني ونزاهته، وكما أنَّ هناك مساحةً بين التوصيفين، فإنَّ هناك أيضًا مساحةً وفرقًا شاسعًا بين صحفي يستغل علاقاته مع الجهاتِ المختلفة للحصول على المعلومة، وبين صحفي تستغله هذه الجهات لنشر معلوماتٍ بعينها، وصاحبنا الأخير يدخل تحت الحالة الثانية، وهو ما أخرجه من مخبرٍ صحفي إلى "صحفي مخبر".
وهذه النوعية الأخيرة وهي "الصحفي المخبر" تنتشر بشكلٍ سيئ بين أوساطِ عددٍ من الصحفيين الجدد؛ حيث بات رضاء الأمن شرطًا لوصول هذا الصحفي لهذا المنصب أو ابتعاده عنه، وبعيدًا عن هذه النوعية فإن هناك أيضًا صحفيين قد يكونوا أقل مكانة ـ رتبة ـ لدي الأمن من السابقين مثل أ(م . ح) أو أ(ع . ع)، ومعظم جوقة في برنامج حالة "حمار" أقصد "حوار" مع المستفز والمطعون في سمعته وأخلاقه (ع . ع) والذي تمَّ نقله من مكتب الأهرام بلندن بعد فضيحة أخلاقية مدوية كلَّفت الأهرام آلاف الدولارات حتى يتم سحبه من لندن إلى القاهرة.
هناك أيضًا صحفيون لهم رتب ولكنهم أصبحوا أقرب إلى المعاش مثل (ع . ح)، ورغم أن هناك كلامًا كثيرًا متناثرًا عن انحرافاته فإنه من المعروف عنه أن الأستاذ عبد الرحمن الشرقاوي عندما كان رئيسًا لتحرير روزاليوسف، وإزاء توسع الأجهزة الأمنية وقتها في الدفع بعناصرها في المجلة بل وتعيينهم، وفرضهم على إدارة المجلة، وهو ما كان يرفضه الأستاذ الشرقاوي، ولكنه لم يستطع المجاهرة به، وقد وصل هذا التدخل الأمني إلى درجة أن أحد المسئولين في إحدى الجهات الأمنية أرسل توصيةً خطيةً للأستاذ الشرقاوي يطالبه فيها بتعيينه؛ نظرًا لما أبداه من همة ونشاط في خدمة هذه الجهة، وهو ما وجده الأستاذ الشرقاوي فرصةً لكشف هذا التوغل في بلاط صاحبة الجلالة، فأرفق هذه التوصية بأوراقِ تعيينه، وكانت فضيحةً بجلاجل في النقابة وقتها.
الملف زاخر بأسماء ورتب ومخبرين في المؤسسات القومية وغير القومية، بل وفي جهازِ التليفزيون نفسه؛ حيث أصبح الطريق السريع للشهرة والمجد والسلطة هو الالتحاق بأحد الأجهزة الأمنية بمصر، وفي الختام حمى الله مصر وصحافتها من شرِّ هؤلاء المخبرين.
-----------
** مساعد رئيس تحرير "إخوان أون لاين"