![]() |
|
د. حلمي القاعود |
يخطئ "كُتَّاب لاظوغلي" ومَن على شاكلتهم من مثقفي الحظيرة واليسار المتأمرك وخصوم الإسلام؛ إذا ظنوا أن المغالطة في الجدل الفكري والكذب السافر في رواية الأحداث والحقائق يمكن أن تقنع عامة الشعب المصري المسلم، فضلاً عن مثقفيه الحقيقييين بأن الإسلام عدوه الإستراتيجي وسبب تخلفه، وأنَّ الإخوان المسلمين هم العدو الذي يجب سحقه وتدميره حتى لا تقام دولة دينية تمنح صكوك الغفران والحرمان!
وقد أثبتت تصريحات الوزير إياه، حول الحجاب أنَّ الشعبَ المصري لن يتنازل عن إسلامه ولن يقبل دولة يحكمها معادون للإسلام، بدليل أنَّ الحزبَ الحاكم- مع استبداده وتزويره واحتكاره للسلطة والثروة، رفض تصريحات الوزير، وأرغمه على احترام الحجاب والمحجبات، وهو نفسه بادر بتقديم إحدى موظفاته المحجبات دليلاً على حسن نواياه.
بيد أنَّ مقولةَ الدولة الدينية التي يلح عليها القوم ويخوفون بها الشعب المصري "فوبيا الإسلام" لن تُفلح أبدًا، فالإسلام ليس كنيسة، وليس فيه واسطة بين العبد وربه إلا عمله الصالح، وليس فيه قداسة لأحد إلا لله، ولا عصمة فيه لمخلوق إلا لنبيه- صلى الله عليه وسلم- وأقول بكلِّ يقينٍ إنَّ الإسلامَ هو الذي أنشأ أول دولةً مدنيةً في العالم، بعد أن عاش الناسُ آلاف السنين في ظل دولةِ القوة أو ما يُعرَف الآن بالدولةِ العسكريةِ أو الدولة البوليسية الفاشية التي تحكم الناس بالحديد والنار والكذب والتزوير.
الإسلام كان أول مَن جلس فيه الخليفة يبيع ويشتري في السوق ليطعم أولاده, وكان اسمه أبو بكر الصديق- رضى الله عنه- فمرَّ عليه جماعةٌ من الصحابة، ورفضوا أن يتكسب الخليفة من التجارةِ لأنهم تعاقدوا معه على رعايةِ شئونهم، وأمروه بتركِ السوق، وفرضوا له كسوة في الشتاء ومثلها في الصيف وعبدًا يخدمه، وكلها تعود إلى بيت المال بعد وفاته، مع أجرٍ سنوي ليُنفق على نفسه وأسرته! هذه هي الدولة المدنية الحقيقية التي يتحول فيها الحاكم إلى أجيرٍ عند الرعية وليست الرعية أجراء عند الحاكم، ويقول فيها الخليفة: "إن أحسنتُ فأعينوني وإن أسأتُ فقوموني".
هل يمكن أن نجد مثل هذا المنهج في ظل الدولة البوليسية الفاشية التي تحكمنا بالحديد والنار، وتتفنن في فرضِ الإتاوات على عبادِ الله في كلِّ المجالاتِ لينهب الكبار من اللصوص ما شاءوا باسم الدستور والقانون.. ويخرج علينا كاتب أفَّاق من الذين يتعيشون على دماء الكادحين وعرقهم، ليتهم المصريين بسوءِ الأدب وقلةِ الحياء وإهدار الدستور والقانون؛ لأنهم تجرءوا على مناقشةِ الوزير الذي لم يعجبه الحجاب؟
في الدولة المدنية الإسلامية، وقف رجلٌ من عامةِ المسلمين في عام الرمادة حين سمع عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- يقول في خطبة له: أيها الناس؛ اسمعوا وأطيعوا، فقال الرجل: لا سمعَ ولا طاعةَ ياعمر. لاحظ قول الرجل "عمر" (حاف) من غير يا صاحب الجلالة أو يا صاحب الفخامة أو سيادتك أو يا باشا)، ولم يغضب عمر - بدون ألقاب أو كنى- وبهدوءٍ شديدٍ قال للرجل: لماذا يا أخا العرب؟
تأملوا رئيس الدولة يخاطب المواطن- أو واحدًا من الرعية- بوصفٍ قريبٍ من نفسِ الرجل "يا أخا العرب"، ولم تهب أجهزة الأمن السرية أو العلنية لتختطف الرجل، وتذهب به إلى "وراء الشمس" حيث لا يدري أحدٌ عنه شيئًا، وفي أحسن الأحوال يقال إنه "مجنون".
ويستمر الحوار بين رئيس الدولة المدنية الإسلامية الذي اسمه عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- وبين الرجل؛ فيقول له الأخير: "لقد وزعت علينا أثوابًا متساوية، ولكنك استأثرت بثوبٍ أطول من أثوابنا جميعًا! ولم يغضب عمر، ولم يقل له إنه أمرٌ سيادي، أو إنني القائد والزعيم الذي ينبغي ألا يُناقشه أحد، أو يُعدِّل من سلوكه وقراراته أحد، أو إنني عنيد ولا أستجيب لما يقوله الرعاع أو الصفوة.. وبسماحة الإسلام، قال عمر للرجل: أترضى شهادة عبد الله بن عمر- وكان م
