بيروت- وكالات الأنباء، القاهرة- حسين التلاوي

أعلن مسئولون صهاينة أنَّ الحكومة الأمنية المُصغَّرة قد قرَّرت الانسحاب من قرية الغجر اللبنانية الواقعة على الحدود مع الكيان، والتي كانت قوات الاحتلال تسيطر عليها منذ العدوان الصهيوني الأخير على لبنان الصيف الماضي.

 

ومن المقرَّر أن تسلِّم السلطاتُ الصهيونية السيطرةَ على البلدة لقوات الـ"يونيفيل" التابعة للأمم المتحدة والعاملة في الجنوب اللبناني على أن تُقيم حاجزًا على الجانب الجنوبي، إلا أن الصهاينة لم يحددوا موعدًا لتنفيذ ذلك القرار، الذي اتخذته الحكومة الأمنية المصغرة في اجتماعها الذي تم أمس الأحد 3/12/2006م، وهو القرار الذي يأتي بعد فترةٍ طويلةٍ من الانتقادات اللبنانية للكيان الصهيوني؛ بسبب احتفاظه بالقرية الحدودية، وهو الإجراء الذي زعم الصهاينة أنه يأتي من أجل منع عمليات تهريب السلاح من سوريا إلى حزب الله داخل الأراضي اللبنانية.

 

تدخل صهيوني بالأزمة اللبنانية؟!

يطرح توقيت القرار وتزامنه مع الأزمة اللبنانية العديدَ من الأسئلة حول مدى استهداف الصهاينة التأثير في اتجاهات الأزمة اللبنانية الحالية، وإمكانية أن يؤدي ذلك إلى فتح الطريق أمام انسحاب صهيوني من مزارع شبعا، ويمكن تلخيص أبرز النقاط المتعلقة بهذا الملف فيما يلي:

- تداولت الصحف الصهيونية الصادرة يوم الأحد وخاصةً (هاآرتس) أنباء عن أن هذا التحرك يهدف إلى دعم الحكومة اللبنانية بقيادة فؤاد السنيورة في مواجهة المعارضة وخاصةً حزب الله؛ حيث إن الانسحاب قد يساعد في إقناع الشعب اللبناني بأن حكومة السنيورة أنهت كلَّ آثار الاحتلال الصهيوني للأراضي اللبنانية، كما أن ذلك سيُسهم في تحسين صورة القوات الدولية الـ"يونيفيل 2" المنتشرة في الجنوب في أعين اللبنانيين الذين يَعترض غالبيتُهم على وجودها في البلاد، وفي حالة حدوث ذلك التحسُّن فإنه سيكون نقطةً جديدةً في صالح الحكومة اللبنانية أيضًا؛ لأنها هي مَن وَافَق على دخول تلك القوات للبلاد بمقتضى القرار الدولي 1701 الذي أنهى الحرب على لبنان.

 

- لا يريد الصهاينة دعم الحكومة اللبنانية لضمان استمرارها بما يكفل تطبيق القرار الدولي 1701 وخاصةً في بنوده المتعلقة بمنع وصول الأسلحة إلى حزب الله فقط، ولكن أيضًا لأن الصهاينة يعتقدون أن نجاح الاعتصام سيؤدي إلى ضرب الترتيبات الأمنية التي تم اتخاذها في الجنوب اللبناني لإبعاد عناصر حزب الله عن المناطق التي يمكن لمقاتليه من خلالها تهديد الكيان الصهيوني، أي أن دعم الصهاينة للحكومة اللبنانية يأتي من أجل ضمان الأمن الصهيوني.

 

أي أن الانسحاب من بلدة الغجر هو "كلمة حقٌّ يراد بها الأمنُ الصهيونيُّ" ولا يراد به مصلحة الشعب اللبناني، وإلا كانوا انسحبوا منها بعد انتهاء الحرب أو على أقل تقدير بعدها بشهر مثلاً، فالمبررات التي يقول الصهاينة إنهم باقون بسببها في البلدة- وهي منع وصول السلاح لحزب الله- لا تزال قائمةً على الأقل في التقارير الرسمية الدولية التي تقول إن السلاح لا يزال يتدفَّق، وبغضّ النظر عن مصداقية التقارير إلا أنها في أي ظرف آخر كانت قد شكَّلت ذريعةً كبيرةً للصهاينة، لا ليبقوا في البلدة ولكن ليحتلوا أجزاء أخرى من الجنوب اللبناني!!

 

- تقول التقارير الصحفية الصهيونية إن تلك الخطوة قد تفتح الباب أمام إعلان الصهاينة الانسحاب من مزارع شبعا، وهو ما سيُعتبر أكبر دفعة للحكومة اللبنانية في مواجهة الاعتصام الذي تقوده المعارضة في الفترة الحالية؛ بهدف إسقاط الحكومة وتشكيل حكومة وحدة وطنية.

 

فالصهاينة يتمسَّكون بالمزارع بدعوى أنها سورية، وبالتالي لا ينطبق عليها قرار الانسحاب من الجنوب اللبناني والذي تم في العام 2000م، ويستندون في ذلك إلى أن الأمم المتحدة تَعتبر المزارع سوريةً، وتطلب الأمم المتحدة من لبنان وسوريا ترسيم الحدود بينهما من أجل تحديد الدولة التي تسيطر على المزارع، وتؤكد سوريا أن مزارع شبعا لبنانية، إلا أنها رفضت في الفترة الأخيرة التعاون مع اللبنانيين في إثبات ذلك بسبب تبنِّي قوى الأغلبية اللبنانية التي تسيطر على الحكومة اتجاهاتٍ معاديةً لسوريا.

 

- دعم الصهاينة لحكومة السنيورة قد يكون جزءًا من المخطط الأمريكي من أجل التنفذ في المنطقة، والذي يعتمد على دعم الأنظمة الحليفة وإيجاد حكومات أخرى تتحالف معها، والدور الذي تلعبه الحكومة اللبنانية في حصار سوريا التي تُعتبر واحدةً من أقطاب ما تزعم الإدارة الأمريكية أنه "محور الشر" في العالم، وتقصد به الدول التي تعارض السياسة الأمريكية وخاصةً في الشرق الأوسط وفي مقدمتها سوريا وإيران، ويعيدنا هذا إلى مسألة الحلف الصهيوأمريكي في الشرق الأوسط، ومحاولة الولايات المتحدة إخلاء المنطقة من الدول التي تعارضها، بما يضمن سيطرة الكيان الصهيوني على مقدَّرات المنطقة ككل وقيادتها وتثبيت مفهوم الشرق الأوسط بدلاً من العالم العربي.

 

إذن يفهم المرء من الكلام السابق أن الصهاينة يحاولون بإعلانهم أنهم سوف ينسحبون من قرية الغجر، لا كبادرة سلام مع اللبنانيين، ولكن كمحاولة لضرب السلاح الوحيد في لبنان القادر بالفعل على التصدي للمخططات الصهيونية في الأراضي اللبنانية، وهو ما يأتي في إطار استراتيجية صهيونية للخلاص من كل قوى المقاومة، سواءٌ في لبنان- من خلال الاستعانة بالقوى الدولية واستغلال الظرف الراهن- أو في الأراضي الفلسطينية، بدفع بعض القوى لتحجيم المقاومة، أي أن اليد التي تمنح الحق للبنانيين تجاورُها يدٌ أخرى تسعى لقطع رقابهم، وهي عادةٌ صهيونيةٌ بامتياز!!