بقلم: د. حامد أنور

نشرت الأهرام بتاريخ 25 من نوفمبر على صدر صفحتها الأولى أنَّ المثقفين الأوروبيين يؤيدون وزير الثقافة المصري فقد بعث إليه جاك لانج وزير الثقافة الفرنسي والمثقف الشهير رسالة تأييد في موقفه من الحجاب، وأخبره أنَّ المفكرين والمبدعين الأوروبيين يدعمون موقفه.. ويبدو أنَّ الأوروبيين يريدون أن ينقلوا ساحةَ الصراع على الحجابِ من أرضهم إلينا وبعد أن منعت فرنسا الحجاب على أرضها تريد أن تمنعه عندنا.

 

إنَّ حديث الإفك الذي تفوَّه به وزير الثقافة المصري ليس له أدنى قيمة؛ وذلك لأن وزيرَ الثقافة المصري يفتقد أي مصداقية في الشارع المصري، فشخصية الوزير حالت دون أي تواصل بينه وبين الشعب المصري الأصيل، ولكنني كنتُ أنتظر أن تخرج الثعابين من جحورها والغربان من أعشاشها لتقف مع الوزيرِ الذي أخذ إلى "الكورنر"، وأخذ يتلقى اللكمات والضربات من نواب الإخوان والوطني، وحيث إنَّ العلمانيين والعلمانيات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف فخرج أولئك الزاحفون يقفون معه، ويحاولون التصدي للهجوم الجارف عليه فعندما سمعوا صوت المزمار انطلقوا يبثون سمومهم كلٌّ حسب قدرته على صفحاتِ الجرائد والمجلات والقنوات، ولكن الأزمات على قسوتها فإنها تأتي أحيانًا بخيرٍ وفيرٍ.. فهذا الذي نقشوه أبرز شدة جهلهم بشكلٍ غير مسبوقٍ بالفقه والتفسير وأحكام الشرع، وكيف يحاولون الالتفاف عليها التفاف الحرباوات ولي أعناق الآياتِ لخدمةِ آرائهم الفاسدة ومنطقهم المغلوط، أولئك الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وإذا قيل لهم كفاكم فسادًا يتعالى صراخهم ونباحهم، إنما نحن مصلحون.. إنما نحن مبدعون.

 

ولما ظهر ضعف حججهم لجأوا إلى حيلةٍ خبيثةٍ فجعلوا كل مَن يُهاجم الوزير من الإخوان المسلمين، وجعلوها فزاعةً وتهمةً تُوجَّه بخنجرٍ مسمومٍ نحو صدورهم، وكأنَّ الإخوان هم الذين فرضوا الحجاب وكأنَّهم هم الذين أنزلوا قرآنًا يُوجبه على المسلمات.. قاتلهم الله.. أي مدلسين أنتم؟ أي مخرببن تكونون؟ وهذا الذي تمَّ جعلنا نتذكر ما حدث في ميدان الإسماعيلية والذي تحوَّل بعد ذلك إلى ميدان التحرير نسبةً وزورًا إلى ذلك الدجل، وهو تحرير المرأة، ففي ثورة 1919م قامت بعض النسوة الحمقاوات اللاتي خرجن في المظاهرة بخلع الحجاب من على وجوههن وكأنَّ الاحتلالَ الإنجليزي هو الذي فرضه عليهم ما هذا الخلط المتعمد؟ ما هذا اللبس المقصود؟ فما للأنجليز والحجاب وفعلها سعد زغلول في أحد اجتماعات حزب الوفد عام 1923م حين خلع الحجاب عن بثينة بنت الشيخ علي يوسف فصفَّق الحاضرون.. رحم الله سعدًا فقد كان جاهلاً وسط جاهلين.

 

إنَّ الذين يتشدقون بحريةِ الرأي والتعبير ما لهم قد سكتوا عندما صرَّح طلعت السادات برأيه فانعقدت له محكمة عسكرية، وصدر حكمٌ بالسجن لمدة عام، كل ذلك تمَّ في شهر واحد، فما لتعاليمِ الله تصبح ساحةً مباحةً لأي متجرئ عليها؟ أما ما يتعلق بالنظام فممنوع الاقتراب والتصوير؟ هل يستطيع أحد أن يرفض تنفيذ تعليمات رئيس الجمهورية تحت حجة حرية الرأي والتعبير؟ أم نجعلها ورقة عملٍ للمرحلة القادمة والقادمة حتى أصبحت النتيجة ما نحن فيه الآن من فشلٍ على كافةِ المستويات؟ فما لنا نُقدِّس تعليماتِ رئيس الجمهورية ونستهين بتعاليم الله ونتعداها تحت ادعاءِ حرية الرأي؛ لذلك تعجبتُ ممن ذهبوا إلى الوزير في بيته من الفنانين، وأعلنوا تضامنهم معه ومن التصفيق الحار الذي لاقاه الوزير في افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي، ويبدو أنَّ الفجوةَ بين هولاء والمجتمع تزداد يومًا بعد يوم.

 

إنَّ الذين راهنوا على أنَّ هذه الأزمةَ ستعصف بالوزيرِ واهمون بكل تأكيدٍ، فالوزير فاروق حسني هو رمزٌ للثقافةِ الغربيةِ في مصر وتجسيدًا لها بكل معانيها، وأكرر بكل معانيها، وأنَّ عزله تحت تأثيرِ ذلك الهجوم إنما يعني هزيمة لها أمام القيم الإسلامية؛ لذلك فلن يُعزل الوزير وكون الوزير مختزلاً لمنظومةِ السلوكياتِ الغربية فإنَّ هذا هو سر الجلد السميك الذي يحميه في كل الأزمات التي مرَّ بها ويبدو أنَّ هذا العفن الثقافي الذي يُقدمه لنا الوزير سيستمر معنا حينًا من الوقت.

 

وأخيرًا ظهر الوزير.. ففي برنامج (البيت بيتك) خرج علينا فاروق حسني محاولاً تحسين صورته وظهر محمود سعد وكأنه يحاول إنقاذ شخصٍ أوشك على الغرقِ فكانت النتيجة أن غرق الاثنان معًا.. فوجَّها هجومًا للثقافةِ الإسلامية التي بدأت تعود للمجتمع المصري وتصورها وكأنها غزو من الخارج أقبل عليه البسطاءُ من الناس، وصرَّح الوزيرُ الساذج بأنه يحترم المحجبة ما دامت مقتنعة به، ويحترم أيضًا غير المحجبة، فالأمور عنده سواء.

 

والذي أثار دهشتي بشدة رده على سؤال محمود سعد بعد تسعة عشر عامًا ألم يشعر بالملل من الوزارة؟ ولأن الوزير الفنان كان يخبط ويتخبط فقال إجابةً غريبةً هي بحقٍّ تستحق أن تُوضع ضمن الطرائف السياسية فقال: إنَّ الوزارة بالنسبة له هواية، وهكذا أصبح هناك أناسٌ هوايتهم الرياضة وآخرون القراءة وآخرون الوزارة، ولكِ الله يا مصر.

 

لقد كان البرنامج محاولة باهتة لتجميلِ صورته التي تزداد تلطيخًا يومًا بعد يوم.

سيادة الوزير.. اشرب.. اشرب.. اشرب العصير.