بقلم: محمد السروجي*
طالعتنا وسائل الإعلام في الأيام القليلة الماضية بجملة أخبار لها عدة دلالات:-
الأولى: من القاهرة حيث السيطرة الميدانية لأمانة السياسات بقيادة الطموح جمال مبارك ومجموعة المغامرين الجدد؛ رجال السلطة والثروة على صنع القرار في مصر.
والثانية: من فلسطين حيث الولادة المتعثرة لحكومة الوحدة الوطنية بين حماس الحكومة الحالية والأغلبية البرلمانية وفتح المتمردة على مقعد المعارضة.
وباستقراء التاريخ والواقع السياسي لهما بل لأنظمة الحكم العربي نجد تشابهًا يصل لدرجةِ التطابق في نمط الإدارة والسياسة والإجراءات وتوزيع الأدوار، بل على مستوى الصراعاتِ الداخلية لهذه النظم بين الحمائم والصقور ومثال التناول هنا بين صقور حركة فتح وأمانة السياسات خاصةً بعد انتخابات برلمان2005م المصري وتشريعي يناير 2006م الفلسطيني وما تلاهما من تصريحات ومؤتمرات، مع الفارق الهائل بين دولة محتلة وأخرى مستقلة ذات سيادة.
دراسات غير دقيقة وتقارير أمنية خادعة
دخل كلا الفريقين جولة الانتخابات البرلمانية أمام منافس له ذات المرجعية بل والشعار (الإسلام هو الحل) بعد جولة انتخابات رئاسية المنافسة فيها محسومة سلفًا لكلٍّ من الرئيس المصري مبارك والفلسطيني محمود عباس، وكتبت التقارير وقدمت الدراسات بأنَّ كلا الفريقين لا منافسَ له على الساحةِ وأنَّ حجم المنافس الحقيقي الوحيد (أخوان مصر وحماس فلسطين) لا يتعدى 10% في مصر و30% في فلسطين، وجاءت النتائج مفاجئة بين السارة والصدمة، وأكدت الخلل المعلوماتي لدى أجهزة الأمن ومراكز الدراسات.
تقدم المعارضة وتراجع مؤسسة الحكم والأسباب واحدة
حقق الإخوان في مصر تقدمًا كبيرًا وارتفعت نسبة التمثيل البرلماني من 3.7% عام 2000 إلى 20.3عام 2005م، كما حققت حماس 60% من مقاعد التشريعي وشكلت الحكومة ومع تقدم المعارضة في كلا النموذجين تراجعت مؤسسة الحكم والأسباب واحدة، ومنها:
- تردي الأداء الحزبي والحكومي وعدم تحقق طموحات الشعب في الإصلاح ومحاربة الفساد والنهوض بمستوى المعيشة، بل كانت الوعود التي أعلنت في البرامج الانتخابية شيكات بدون رصيد.
- الإدارة بالفساد حيث تقريب أهل الولاء والثقة وإقصاء أهل الكفاءة وبذل المناصب والأموال والتسهيلات والتوكيلات وغير ذلك.
- سيطرة الأجهزة الأمنية على كافة المؤسسات ورفع درجة الاحتقان لدى الجماهير
- خضوع المؤسسة الإعلامية لرجال الحكم واستخدامها في الهجوم غير الموضوعي على قوى المعارضة؛ مما أوجد سخطًا على النظام وتعاطفًا مع المعارضة.
التردد الفكري والأيدلوجي
حيث بدأت كلا المؤسستين بالفكر الثوري ثم الاشتراكي فالقومي وانتهى بالبراجماتي، وإن تجاوزت مصر بخطوة في الطريق الخطأ عندما أعلن رئيس الوزراء المصري أنَّ مصر دولة علمانية (على هامش المنتدى الاقتصادي بشرم الشيخ)، وأصبح كلا الفريقين ناديًّا سياسيًّا مصابًا بالشللِ والاستبدادِ والفساد ومراكز القوى ولم يعد كيانًا سياسيًّا بالمفهوم القانوني والدستوري.
رئاسة تجاوزتها طبيعة المرحلة
أبو مازن (وريث أبي عمار) رجل سياسي محنك لكنه لا يتمتع برصيدٍ ميداني شعبي؛ لذا لم يتمكَّن من إصلاح ترهل سلطة الحكم ومقاومة صقور فتح بل وقع فريسةً لابتزازهم ومبارك فرض على مصر بعد مقتل السادات، ولم يكن له هو الآخر رصيد سياسي أو نضالي كسلفه عبد الناصر والسادات، بل كان موظف بدرجة نائب الرئيس وشهدت بداياته بعض مظاهر الحريات سرعان ما تضاءلت ووقعت مؤسسة الحكم تحت سيطرة رجال السلطة والثروة ووقع مبارك فريسة لابتزاز الأجهزة الأمنية والتي كرَّست العداء بينه وبين قوى المعارضة والشعب لتعظم من دورها وتبرر وجودها.
واقع متعثر ومستقبل ضبابي
حكم كلا الفريقين لعدة عقودٍ بعزفٍ منفردٍ، وكان الإقصاء وأحادية الرؤية هي نهج التعامل مع قوى المعارضة؛ مما أوجد جمودًا سياسيًّا وصل لدرجةِ الانسدادِ وحدث تراجعٌ على المستوى السياسي والاقتصادي والعلمي، وفشل كلا الفريقين في تحقيقِ الوعود الإصلاحية في مصر وثمار وعائد التفاوض والتسوية في فلسطين، بل شغل كل منهما نفسه بتحسين الصورة والتسويق الإعلامي والهجوم علي المنافسين، (كما حدث في المؤتمر السنوي الرابع للحزب الوطني والإضراب والضغط الشعبي لأنصار حركة فتح)؛ مما يؤكد غياب الرؤية الواضحة للإصلاح وتحقيق احتياجات وطموحات المواطن؛ لأنَّ كليهما يتعامل بصفته شريكًا موصى أو مستثمرًا وليس كصاحبِ مشروع وشريك متضامن، مما يجعل المستقبل معهما ضبابيًّا ومخيفًا.
ثم ماذا بعد..
يجب على الفريقين مراجعة الحسابات والسياسات وفق رؤية ومشروعٍ سياسي يتمتع بمرجعيةٍ تتفق وطبيعة الشعب ومصالحة والاعتراف بالأخطاء وليس التغطية عليها بالهجوم على المنافسين وتقوية تيار الإصلاح (الحمائم في فتح وأمانة السياسات) والرضا بمقعدِ المعارضة في فلسطين واحترام وتقدير المعارضة في مصر والتعاطي معها كشريكٍ متضامنٍ وليس كمصارعٍ متنازعٍ.
هذه بعض مظاهر أزمة الحكم العربي وما زالت فرص الإصلاح متاحة وقائمة رغم مرارة الواقع وتحدياته.
----------
* باحث سياسي- M_SROGY@YAHOO.COm