ذكرت صحيفة (هآرتس) يوم 16/11/2006م أنَّ السفيرَ الصهيوني الذي يودع العاصمة منقولاً إلى تل أبيب طلب في كلمته الوداعية أن يوافق الرئيس بوش على إنشاء مركز باسمه في تل أبيب تقديرًا لمواقفه المؤيدة للكيان الصهيوني، ووافق بوش على الفكرة، مؤكدًا أنَّ الحريةَ تشكل موضوعًا يستحق التركيز عليه.

 

وهذا الخبر ينبه إلى قضيتين رئيسيتين، الأولى هي أن واشنطن في عهد بوش تقدم مصالح الكيان الصهيوني على المصالح الأمريكية، وهو كما نبَّه إليه الباحثون والسياسيون الأمريكيون مرارًا بحيث تضحي الإدارة برصيدِ البلاد وسمعتها من أجل هذا الكيان وتنحاز بشكلٍ أعمى له، وهو ما لم يتم الوصول إليه في أزهى عصور العلاقات بين تل أبيب وواشنطن، وقد بدأ ذلك بشكلٍ خاصٍّ بعد رفع واشنطن راية مكافحة الإرهاب وتعيين الكيان شريكًا في هذه الحرب في المنطقة وغيرها.

 

بل إنَّ انحياز أمريكا لهذا الكيان وصل إلى درجةٍ خطيرةٍ؛ إذْ يحميه الفيتو الأمريكي في مجلس الأمن من مجرد إدانة مجزرة بيت حانون التي اعترف الصهاينة بوقوعها وأبدوا أسفهم عليها وليس اعتذارهم لأنهم بالدعم الأمريكي أكبر من أن يعتذروا.

 

والطريف أن الوفدَ الصهيوني لم يدع إلى مؤتمر دبي للمنظمة الدولية للبريد يوم 14/11/2006م ووصل دون الحصول على تأشيرة وظنَّ الوفد الأمريكي أن دبي تنوي منعه من الدخول، فهدد الوفد الأمريكي بالانسحابِ إذا رفض دخول وفد بني صهيون.

 

أما القضية الثانية فهي علاقة بوش بالحرية؛ ولذلك فإنَّ إطلاقَ اسم مركز بوش للحريات نكتة سوداء، ففي عصر بوش انتهكت كل الحقوق والحريات الشخصية بدءًا بحريات الشعب الأمريكي ثم حقوق وحريات الشعوب في أفغانستان وفلسطين والعراق.. في عصره سجلت انتهاكات حقوق الإنسان أعلى معدلاتها التاريخية، وهذا السجل هو الذي دفع الناخب في التجديد النصفي للكونجرس إلى إنزال الهزيمة بالحزب الجمهوري، وسوف يضيق المقال عن إضرارِ بوش بقضايا الحرية وتشجيعه على تعذيب المعتقلين وتجاهل كل مبادئ الكرامة الإنسانية.

 

أما بالنسبة للكيان الصهيوني، فإن بوش قد أمن له حرية القتل في فلسطين ولبنان باسم الدفاع الشرعي وحرية اغتصاب حقوق الفلسطينيين وحرية انتهاك أجواء لبنان وأراضيه والفتك بالمدنيين وحرية إبادة العرق العربي الفلسطيني بشكلٍ يعلن الحقد والإجرام.

 

وإذا كان تمثال الحرية قُصد به أن يشهد بحرية الأمريكيين فإن بوش يجب أن يُقام له تمثال مقابل؛ تخليدًا لأعماله الخالدة في قتلِ الحريات المشروعة وتشجيع حماية الحريات الإجرامية غير المشروعة والنوازع الشريرة والغرائز المتمردة على كل قواعد الأخلاق والدين والقانون والحضارة, وصدق مَن صرخ يأسًا: أيا أيتها الحرية، كم من الجرائم ارتُكبت باسمك.

 

لقد بشَّر بوش العالمَ العربي بالحرية والديمقراطية، فلما قصمته مآس نموذج الحرية الذي أقامه في العراق واغتياله للحرية والديمقراطية في فلسطين، وللحريات المدنية في بلاده، والتصدي للعدالة الدولية والقانون الدولي في جميع مواقفه، كشف عن وجهه الحقيقي الذي ظنَّ أنه قادرٌ على خداع الشعوب بغيره وأكد انحيازه للظلمِ والقهرِ والاستبداد والتخلف في العالم العربي، وهذا أكبر خدمة للكيان الصهيوني وأكبر طعنة للعالم العربي مما يجب أن يدفع إلى إقامة مركز بوش لانتهاك الحريات يتزين مدخله بتماثيل ونماذج لضحاياه.