بقلم: غسان مصطفى الشامي
جاء تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة لعام 2006م مخيبًا للآمال والطموحات، ونذير شؤم على بلادنا العربية، الأمر الذي يستدعي من دولنا ومنظماتنا وهيئاتنا أخذ نتائج التقرير على محملٍ من الجد، خاصةً وأنها تشير إلى أن بلادنا العربية تعيش حالةً من التدهورِ في مختلفِ مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والصحية وغيرها، كما أنَّ العرب سيتأخرون في عملية التنمية 27 عامًا.
* وربما من الطبيعي أن نصل كبلدان عربية إلى هذه النتائج السيئة والمخيبة لأسبابٍ كثيرة أهمها، أنظمتنا العربية الحاكمة وكراسيها المتعفنة منذ عقود من الزمن، هذه الأنظمة التي جلبها الاستعمار الغربي لتصبح مدادًا له في قمع شعوبهم واستعبادهم، سبب آخر هو ترويج ثقافة الاتكالية بين الشعوب العربية، وقتل روح الجد والإبداع في العقلية العربية، أما هجرة الأدمغة فحَدِّث عنها ولا حرج، فالعقول العربية أصبحت هممها الطبول والغواني وأكثر فضائياتنا العربية تَعُج بالمجون والعري، وتُروج لثقافة الجنس العلني والفاضح أمام أعين العالم، والأمثلة كثيرة من أهمها البرامج الجديدة منها "سوبر ستار" وبرنامج "ستار أكاديمي" وغيرها من البرامج المدمرة لشباب وفتيات الأمة العربية الإسلامية، فضلاً عن فقدان رُوح الأخوة بين بلادنا العربية، فكل دولة تسعى لتأمين حمايتها من الدول العربية المجاورة لها وليس من العدو الأكبر وهو "الاستعمار الغربي" الذي نَهب خيراتنا واقتصادنا، أما رؤوس أموالنا العربية فهي ليست في بلادنا العربية بل في البنوك الأوروبية يستخدمها الغرب في تدمير العرب، ولا تستفيد منها بلداننا العربية شيئًا، كما جَلب الاستعمار إلينا الدمار والخراب، أما الذهب الأسود "النفط" فهو الآخر مُهَيمن عليه من قبل "الغرب" فيما كُبلت دولنا العربية بسلسلة من الديون التراكمية بهدف وئدِ أية نهضة ممكن أن تحدث حتى ولا بعد حين، فضلاً عن الاستعمار الثقافي والفكري الذي يهدف إلى تدمير الأدمغة العربية واستبدال عادات وثقافات غير عربية.. فالهدف للاستعمار واحد يتمثل في تفكيك أواصر وروابط الأمة وتدمير دعائمها ولبناتها، حتى لا تصبح هذه الأمة وحدةً وكيانًا يهدد الغرب بالزوال ويُمثل عليه خطورة كبرى.
* ونُذكر هنا عندما كانت وحدة الأمة هي الإطار الجامع لشعوبها وقومياتها وأجناسها وأقطارها، كانت جامعتها الإسلامية جسدًا واحدًا إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد السهر والحمى.. وكانت صيحة "واإسلاماه" تجد الاستجابة في ديار الإسلام.
* وفي ظل تلك الجامعة الإسلامية فتح المسلمون- في ثمانين عامًا- أوسع ما فتح الرومان في ثمانية قرون، وشتان بين فتح التحرير وفتح الاستعباد.. فيما قهر المسلمون أشرس الغزاة وواجهوا أخطر التحديات من الصليبيين الذين شنوا حربًا عالميةً غربية على بلاد الإسلام والمسلمين، دامت هذه الحرب قرنين من الزمان (489- 690هـ) (1096- 1291م)، ثم إلى التتار الذين كسر المسلمون شوكتهم، ثم هداهم الله للإسلام فأصبحوا قوةً ضاربةً مدافعةً عن ديار المسلمين.
هذه الفتوحات والانتصارات الشامخة تحققت في وحدة الأمة الإسلامية، مثّل المسلمون في هذه الحضارة "العالم الأول" بينما كان الغرب يغط في سبات عصور الجهالة والظلام.
* ولما جاءت الغزوة الاستعمارية الأوروبية الحديثة، التي بدأت بسقوط "غرناطة" ( 897هـ/1492م)، والالتفاف حول الإسلام، ثم ضَرب قلب العالم الإسلامي بحملة "نابليون بونابرت" ( 1213هـ/1798م) والتهام البلاد إقليمًا وراء إقليم، وحتى إسقاط الخلافة العثمانية (1342هـ/ 1924م)، وعمت بلوى هذه الغزوة الاستعمارية الحديثة، أحَل الغرب التشرذم الوطني والقومي والقطري محل رابطة جامعة الإسلام، فانشغل كل شعب وكل قطر بتحرر وطني عن قضايا غيره من شعوب أمة الإسلام.
* وحقق الاستعمار الغربي أهدافه ومخططاته الخبيثة من المؤامرة الكبرى لِوئد الأمة العربية، ولتفكيكها، كما تكالب على دولة الخلافة الإسلامية.. واستمرارًا للمؤامرة وتكريسًا بتشرذم وإعاقة أية محاولة للنهضة التي تعيد الحياة والتكامل إلى أعضاء جسد الأمة الإسلامية زرع "الاستعمار الغربي" "الكيان العبري" الغاصب لدولة فلسطين، سرطانًا عنصريًّا غربيًا، يقطع وحدة أرض الأمة ويهدد كل مشاريع النهضة والوحدة للعرب والمسلمين، لما لفلسطين من أهمية كبرى في جمع البلاد العربية والإسلامية وبناء خلافة إسلامية جديدة تقف بقوة ضد طواغيت وأشرار العالم.
ولا زالت المخططات الغربية الخبيثة متواصلة لتدمير البلدان العربية، فما يحدث في العراق من مجازر ودمار وما يحدث في فلسطين ما هي إلا سلسلة مترابطة داخل المؤامرة الكبرى على الأمة العربية الإسلامية.
* أما مبادرة الشرق الأوسط الجديد، فهي عملية تمزيق الأمة العربية الإسلامية من جديد وتفريقها إلى طوائف مختلفة ومتناحرة حتى لا تَقوى على مجابهة الاستعمار الغربي، فالعراق مثلاً ستصبح ثلاث دويلات والسعودية ستتغير خارطتها وحدودها، فيما تخدم الخارطة الجديدة الغرب الذي تقوده أمريكا، كما تخدم فكرة الشرق الأوسط الجديد المرحلة الحالية، والتي يتعاظم فيها المد الإسلامي في البلدان العربية، فما فوز الحركة الإسلامية في الانتخابات الفلسطينية إلا دليلاً كبيرًا على تنامي المد الإسلامي، وما فوز الإخوان المسلمين في انتخابات مجلس الشعب المصري وحصولهم على عددٍ من المقاعد إلا دليلاً كبيرًا على أنَّ الإسلامَ قادمٌ وسيطيح دول الكفر والفساد ليحرر العالم من الظلمات إلى النور، وفوز الإخوان المسلمين بمصر أدَّى إلى ممارسة أمريكا ضغطًا كبيرًا على مصر بهدف إيقاف الانتخابات المحلية الأخرى، وحركة الإخوان في الأردن وسوريا والجزائر.. فالعالم الآن بدأ يشعر أن المد الإسلامي قادم.. والغرب اليوم ينتظر ويرتقب وهو يعمل جاهدًا على تأخير قدوم الإسلام وجيشه.
* لقد جعل الاستعمار الغربي من بلادنا العربية، سوقًا استهلاكية لمنتجاته، الأمر الذي تهاون به العرب، فكانت هذه النتائج السيئة، على مدار السنوات المتراكمة من الدمار والخراب والفساد والتقاعس العربية.
* أمام هذه الحقائق الخطيرة علينا كبلدان عربية التوحد في بوتقة واحدة ووضع الإستراتيجيات العملية للخروج من الأزمات التي تحياها البلدان العربية، كما يتطلب منا وضع الخطط وآليات التنفيذ، وتكريس مبدأ التعاون الناجح بين الشعوب العربية، لما له من فوائد جمة على التنمية البشرية، فمن خلال التعاون يمكن تحسين الكثير من الأمور وإصلاح الخلل وتحقيق الرخاء وتأمين سبل المعيشة بدرجة أكبر وإفساح مجال للمزيد من التعاون.
-----------