تجربة حماس في السلطة الوطنية التي استمرت حتى الآن قرابة عشرة شهور من فبراير إلى نوفمبر 2006 تستحق دراسةً متأنيةً من جميع الجوانب، ومن الواضح أن تخيير حماس بين المقاومة والسياسة كان مجرد واجهة تُخفي وراءها ما سوف تكشف عنه الأيام بعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، التي كانت أصلاً في البداية اقتراحًا قدمته حماس, فلما عزفت الفصائل الأخرى اضطُّرَّت اضطرارًا إلى تشكيل الحكومة بمفردها, فبدأت تعليقات المناوئين وحتى بعض المراقبين بأن السلطة برأسَين، وكان أبلغ ما قيل في كل العواصم أن حماس عليها أن تختار إما العمل الفدائي أو العمل السياسي, ولا يمكنها الجمع بين الاثنين, أو كما قال الصهاينة لا يمكن أن يجلس السياسيون من حماس وعلى ظهورهم الرشاشات.

 

وقد تمَّت ترجمة هذا الشعار البرَّاق إلى صنيعة عملية هدفها الحقيقي إزاحة حماس عن السلطة، وحشرها فقط في سراديب العمل الفدائي؛ حيث لا يصلُحُ رجالُها إلا لحمل السلاح, أما السياسة فلها رجالها المتمرِّسون!!

 

وقد تطوَّع كثيرٌ من الكتَّاب، وسوف يتطوع غيرهم في الفترة القادمة بالقول بأن عدم المراس بالسياسة ظهر جليًّا في عدم قدرة حكومة حماس على استيعاب متطلبات العمل السياسي في بيئة معقَّدة وأوراق للقوة لا تتمتع بأي قوة شرائية, وأكبر دليل على هذا الفشل هو رفْض حماس للطلبات الصهيونية العربية الدولية، وهي شروط الشرعية الدولية كما صاغتها الرباعية الدولية وتبنَّتها جميع العواصم الكبرى في العالم, وأصبح رفض حماس بأي معنى لهذه الشروط- التي يعلم الكل أنها ذرائع وأن المطلوب إزاحة حماس- هو السبب فيما يعانيه الشعب الفلسطيني من شقاء بسبب الحصار الدولي, كما أرجع الكيان الصهيوني عمليات الإبادة المستمرة للفلسطينيين إلى "تعنُّت" حماس؛ حتى نقلت القضية إلى الشارع الفلسطيني، الذي عليه أن يختار بين ديمقراطية تسبَّبت له في كل صور الشقاء وبين مرونة يتم بها قبول شروط الصهاينة فتنتهي فصول الشقاء.

 

ولم تُجدِ شروح حماس وأصدقائها بأن هذه الشروط هي مجرد ذرائع، والدليل على ذلك أن حكومة فتح السابقة قبلت كل شروط الصهاينة، فأصبح الشعب الفلسطيني يعاني من فساد السلطة وسطوة الاحتلال ومجازره التي لا تتوقف, وهو يعلم جيدًا أن خطط الإبادة خطٌّ ثابتٌ في السياسة الصهيونية كخطٍّ استراتيجي بصرف النظر عن اسم الحكومة في فلسطين، وعلى الجملة تم تصوير الموقف في فلسطين على أن زوال حماس يعني فتح أبواب الرخاء والسلام والاستقلال وقيام الدولة الفلسطينية.

 

إن خروج حماس يوجِب عددًا من الملاحظات العاجلة في صدد دراسة هذه التجربة وكتمهيد لها:

الملاحظة الأولى: أن رحيلَ حكومة حماس لا يعني أن حماس قد تركت السلطة كليةً؛ حيث سيشترك بعض وزرائها في الحكومة, وهذا في ذاته قد يكون ذريعةً للصهاينة وأمريكا بعدم رفع الحظر إمعانًا في سَحْقِ حماس, كما أن المجلس التشريعي سوف يكون في صفِّ حماس ضد أية سياسات حكومية؛ مما يجعل التغيير القادم على مستوى الحكومة شكليًّا، وربما أحدث أزماتٍ مستمرةً بين المجلس التشريعي ورئيس السلطة، بحكم الدستور الذي جعل النظام السياسي الفلسطيني خليطًا من النظامين البرلماني والرئاسي، مع مَيْلٍ أكبر للبرلماني لأسباب تاريخية لا مجال لتفصيلها الآن.

 

الملاحظة الثانية: أن خروج حماس من رئاسة الحكومة لا يعني فشل تجربتها بقدر ما يعني نجاح الحِلف الفلسطيني العربي الدولي- ولكلٍّ أسبابُه- في إنهاء هذه التجربة, ولكن الآثار المترتبة على ذلك أكثر عمقًا, وأول هذه الآثار: هي أن إنهاء تجربة حماس لا يطمس حقيقةً مهمة، وهي أن حماس طالبت بحرية القرار وحقوق الشعب وردّ القضية إلى أصولها قبل أن تنجرف إلى ما وصلت إليه على طريق التصفية.

 

وثاني هذه الحقائق والآثار هي أن إنهاء تجربة حماس سيزيد من شعبية التيار الإسلامي الضحية في العالم العربي؛ حيث سيصوّر الأمر على أنه انتصارٌ للشرِّ "الاحتلال والفساد" وعدم الاكتراث بالديمقراطية التي يتباكَى الكثير على عدم استعداد التيار الإسلامي لها, فسقطت حجتُهم بعد هذه التجربة؛ لأنهم هم الذين انقضُّوا على الديمقراطية.

 

إن محاربة التيار السياسي الإسلامي لا يمكن أن تتم بالأساليب الأمنية أو السياسية الملتوية في عصرٍ تُتابِع فيه الشعوب كل السلوكيات, وإنما يتم هزيمة هذا التيار في منافسة عادلة، في إطارٍ من الوطنية واحترام القانون وتعزيز قيم المجتمع، ويتم التنافس في انتخابات شفافة يُحتَكَم فيها إلى البرامج وليس إلى القمع والتزوير أو القهر والتآمر والاستبعاد الأعمى.

 

وثالث هذه الحقائق أن السلطة مهما تهاونت مع الصهاينة فلن تنجح في الحصول على أي حقٍّ للشعب الفلسطيني, بل يُخشَى أن تصبح شريكًا لهم في تصفية القضية مقابل معونات إنسانية لمن يبقى حيًّا من الفلسطينيين.

 

الملاحظة الثالثة: أن تخيير حماس بين المقاومة والسياسة عنوانٌ ظالمٌ؛ لأن التجربة أظهرت شخصيات وزعامات فلسطينية قادرة على الجمع بين الاثنين، ويمثل هذا النوع إسماعيل هنية رئيس الوزراء، ومحمود الزهار وزير الخارجية، اللذان صَمَدا أمام كل الضغوط من الداخل والخارج, فقد ضرب إسماعيل هنية مثلاً في إنكار الذات باستعداده للاستقالة، ليس تسليمًا بفشل حماس، وإنما تضحية للصالح العام إذا أدَّت الاستقالة حقًّا كما يزعمون إلى انتقال الوضع في فلسطين من الجحيم إلى الجنان الوارفة.

 

والحق أن كل حركات التحرر الوطني كانت تجمع بين المقاومة والسياسة, بل إن قدر المقاومة هو الذي يوفِّر لها أوراق التفاوض, لكنَّ حماس وُوْجِهَت بحصار خانق منذ أيامها الأولى, فلم يترك لها فرصة الجمع الحقيقي بين المقاومة والسياسة, وقد ساعدت عوامل داخلية وإقليمية على إنجاح مخطط إنهاء تجربتها حتى قبل أن تبدأ التجربة الحقيقية, ولكنه مجرد فصل في نضال هذا الشعب الصابر الصامد.