شهدت الصومال معارك دموية استمرت أكثر من تسعة شهور، دارت بين المحاكم الإسلامية وأمراء الحرب، حتى أفل نجمُهم، وسقط واحدًا تلو الآخر, وجاء الدور الصعب والجولة الأخيرة بين المحاكم والحكومة الانتقالية الضعيفة التي توكلت واعتمدت على الحكومة الأثيوبية.

 

واستضافت الحكومة في مقرها المؤقت فلول أمراء الحرب، وعزمت على مواجهة زحف المحاكم، وحشدت وحدات من الجيش, تحيَّرت الأمور، واشتدَّ الصراع، ودخلت آلافٌ من قوات الحبشة إلى الصومال لإنقاذ الحكومة، وأعلنت المحاكم الإسلامية جهادًا ضد التدخل الحبشي وحشدت عشرات الآلاف من الشباب وقوات الجيش الصومالي السابق, وتم توزيع الأسلحة للشعب للدفاع عن الوطن.

 

وأثيوبيا من جانبها أعلنت في أول مرة حربًا شاملةً على المحاكم الإسلامية, ووعدت بدفاع الحكومة ومقرّها وإيقاف زحف الإسلاميين, ويبدو أن القضية الصومالية دخلت مرحلةً جديدةً صعبةً، وأن الصراع الدولي والإقليمي في الصومال تحوَّل إلى صراع حربي، ولا شكّ أن إريتريا لها أصابع طويلة في الصراع, وانتقلت الحرب الأثيوبية الإريترية إلى الصومال, كما أن هناك أطرافًا عربيةً وإسلاميةً أخرى لها موضع قدم في الصراع..

 

اليمن أبدَت تأييدَها للحكومة، ووصل سفيرُها إلى مقرِّ الحكومة لإبداء دفاع حكومته للحكومة الصومالية. وجمهورية مصر العربية طلبت من الجانبَين ضبط النفس، ولا شكَّ أن مصر تحركت من قبل دبلوماسيًّا وربما تتدخَّل في الصومال عسكريًّا إذا اشتدَّ الأمر وامتدَّ الصراع إلى منطقة القرن الأفريقي؛ حيث تمثل مصر الدور العربي التاريخي الذي عاصر التنافس الدولي في الصومال، وإن مصر ترعى المصالح العربية والإسلامية في القرن الأفريقي، وإنها دولةٌ لها قوةٌ إقليميةٌ ودوليةٌ، والدور المصري يسرُّ الصوماليين.

 

وكما نشر الإعلام الدولي زادت ألمانيا وحدات جيشها في القرن الأفريقي, وأمريكا كذلك زادت عدد قواتها في المياه الإقليمية للصومال, والاتحاد الأفريقي بدأ عمليةً استفزازيةً لفشل جهود جامعة الدول العربية؛ حيث أعلن إرسال قوات أفريقية إلى الصومال، وجاء هذا بعد دخول الجامعة للمصالحة الصومالية، وعقد مفاوضات بين المحاكم والحكومة في الخرطوم، وتم عقدُ جولتَين، وكان من المقرر أن تعقد الجولة الثالثة في 30 من هذا الشهر، ولكن يبدو أن الأمر زاد الطين بلةً، وكل ما نتوقع هو حرب ضروس بين الصومال وأثيوبيا ودخول أطراف إقليمية ودولية.

 

ومنذ ظهور المحاكم الإسلامية كقوة عسكرية وسياسية استنفرت أمريكا وأثيوبيا والدول الغربية، وصرَّح بوش أن التجدُّدات الصومالية قضيةٌ خاصةٌ تهمه، ووصفها بأنها امتدادٌ للقاعدة.. بينما أبدى الشارع العربي والإسلامي فرحةً وسرورًا وتفاؤلاً بإنهاء الأزمة الصومالية واستئصال أمراء الحرب الذين امتصُّوا دماء الشعب أكثر من عِقد، وهذا ما لا تريده أثيوبيا المستفيد الأكبر من القضية الصومالية؛ حيث تحتل جزءًا كبيرًا من الصومال الكبير (الصومال الغربي) فأي قوة صومالية موحَّدة تهدد أمنَها القومي؛ حيث إن 60% من الشعب الأثيوبي مسلمون مضطَّهدون منذ سقوط هرر 1887م وخروج الحامية المصرية من هرر عاصمة الصومال القديمة.

 

وعلى أية حال بدأ حرب القرن الأفريقي، وتحوَّلت القضية الصومالية من الصراع السياسي الدولي إلى حرب بالوكالة، إلى حرب عربية وأفريقية، وتحكي الأيام ما تُخفي الصدور.

 

--------------
* كاتب من الصومال
zaylaci10@hotmail.com