د. حلمي محمد القاعود

 

أتمنى من كل قلبي أن تنجح التجربة الديمقراطية في موريتانيا الشقيقة من كثرة الإحباط الذي ساد أوطاننا المهزومة من داخلها، صرنا نتشوق إلى لحظة فرحٍ حقيقيةٍ يصنعها أي بلد عربي، في أي مكان من المحيط إلى الخليج!

 

ظلت موريتانيا تحت الحكم العسكري الفاشي عقودًا طويلة، بعد أن أطاح العسكر بحاكمها المدني "المختار ولد دادة"، وسمعنا أناشيد الثورة والتقدم تبثها إذاعة الانقلابيين وتلفزتهم، ووعدونا بحكم الشعب والمساواة والعدالة والحرية.. وتمضي الأيام تباعًا، ولم يتحقق من ذلك شيء أبدًا، وانتهي الأمر بالعسكر الثوار إلى الارتماء في أحضان الشيطان الأكبر، ثم الشيطان الأصغر، مع أنهم لا يقفون على حدوده، ولم يشاركوا في حرب ضده، ولا يمثل بالنسبة لهم عقبة تحول بينهم وبين إقرار الديمقراطية، والتسليم بحرية الشعب الشقيق.

 

وبالطبع، كان النظام العسكري يمارس ما تمارسه الأنظمة العربية الأخرى، من قمع واضطهاد وملاحقة وحصار لكلِّ مَن يشتم منه المعارضة وخاصة مَن ينتمون إلى الإسلام أو ينادون به، وشعب موريتانيا، شعب مسلم عريق في إسلامه وتدينه، وكثير من علمائه الفضلاء، وشعرائه النبهاء، شاركوا في النهضة العربية الإسلامية الحديثة، واحتضنت مصر العديد منهم أيام مقاومتهم للاستعمار وطغيانه، وكان لهم في مصر دور أدبي وثقافي لا ينكره إلا جاحد!

 

تلظى الشعب الموريتاني تحت حكم العساكر بنيران الذل والتبعية، حتى جاء عسكر آخرون، واستغلوا فرصة سفر الحاكم المطلق إلى خارج البلاد، وقاموا بانقلابٍ جديد، وعدوا فيه أن ينتهي دورهم بعد عامين من الزمان يتم فيهما، انتخاب المجالس المحلية والتشريعية والسلطة التنفيذية، وتعهَّدوا بأن يعودوا إلى معسكراتهم بعد تنفيذ ذلك، وحرَّموا على أنفسهم التقدم للترشيح لأية انتخابات أو المشاركة فيها، ورأينا في الأيام الماضية الشعب الموريتاني الشقيق يذهب إلى صناديق الانتخابات الزجاجية الشفافة، ولم نسمع طوال فترة التصويت عن ضرب أو خبط، أو اعتقال أو إطلاق نار، أو منع مواطنين من الذهاب إلى أماكن اللجان التي تنعقد فيها الانتخابات، وأيضًا، لم نسمع عن حرمان فصيل أو حزب سياسي من التقدم للترشيحات.. وها نحن ننتظر إعلان النتائج، التي شهدها مراقبون محليون ودوليون، ونقلتها التلفزة العالمية دون أن تتحطم كاميراتها أو يسحل مراسلوها أو يتم تكبيلهم بالقيود وسحبهم إلى أقسام الشرطة!

 

النتائج ستقول لنا: هل تمَّ التزوير في الانتخابات الموريتانية؟ أم إنها مضت بوصفها انتخابات نزيهة وشفافة؟ هل ستضرب موريتانيا مثلاً لادعياء الريادة، وحضارة الأعوام الآلاف السبعة، أم تعود ريمة لعادتها القديمة، وتلوح القبضة الحديدية في الهواء تهدّد وتنذر وتتوعد؟

 

لقد نقل المراقبون، وخاصةً من الاتحاد الأوربي، ومنظمات المجتمع المدني الأوربي، انطباعات أولية جيّدة عن سير الانتخابات دون خروقات أو حوادث تُذكر، وتحدث المراقبون عن سير العملية الانتخابية بسلاسة، وبعدها الفرز دون تدخلٍ من جانب العسكر أو السلطة الحاكمة، مما يبشر بأملٍ جديدٍ يُراود الموريتانيين في حكم أنفسهم بأنفسهم، والمشاركة في تقرير مصير بلادهم، والاستعداد للانتخابات الرئاسية، في شهر فبراير أو مارس القادم 2007م موعد انتهاء الحكم العسكري تمامًا، وعودة العسكر إلى ثكناتهم أو معسكراتهم.

 

كانت نسبة المشاركة في التصويت كبيرة، قدَّرها بعضهم بأكثر من 60% واصطفت الطوابير الطويلة في الشوارع المتربة تنتظر الإدلاء برأيها في النواب المحليين والتشريعيين، مما يعني أنَّ الإحساسَ بالأمل لدى الموريتانيين كبير في بداية عهد جديد، قد يكون مثلاً لدول عربية عريقة آثرت أن تقف في الجبهة المقابلة، وأن تنكّل بالمعارضة- أيًّا كانت- دون أن يردعها خلق أو قانون أو تقاليد تواضع عليها العالم الحيّ المتحضّر.

 

وإذا كان عسكر موريتانيا، ق