الصورة غير متاحة

 ضياء رشوان

 

فجأة وعلى غير انتظار أو توقع، خرج علينا وزير الثقافة الأستاذ فاروق حسني بتصريحاتٍ أثارت جدالاً واسعًا في البلاد حول قضية الحجاب خصوصًا ولباس المرأة على وجهِ العموم، وعلى ما يبدو فقد حرص "الوزير الفنان" كما يحب هو أن يوصف، على أن تتضمن تصريحاته ما يثير انتباه من قصد إثارة انتباههم، وأن تكون كلماتها كافية لجرهم إلى "معركة" الرد عليه، وهو الأمر الذي حدث بالفعل بتصريحات عديدة من قادة ونواب جماعة الإخوان المسلمين انتقدوا فيها بشدة تصريحات الوزير، وما لبث الوزير في ردوده على ردودِ الإخوان على تصريحاته الأولى، أن صعَّد أكثر في تصريحاته التالية ملقيًا مزيدًا من البنزين على شعلةِ النار الأولى الصغيرة لكي يزداد اتساعها ويكبر حجمها وتصبح حريقًا كبيرًا حقيقيًّا.

 

وإذا كنا هنا نوافق "الوزير الفنان" في أننا لسنا- هو ونحن- من علماء الإسلام الذين يملكون من المعرفة والعلم ما يمكنهم من إعطاء الرأي الأرجح في موقع الحجاب من تعاليم الإسلام وشرائعه، فإننا- هو ونحن- من محترفي السياسة عملاً وتحليلاً بما يسمح لنا بالنظر لما أثاره من الزاوية السياسية، والنظر للتصريحات المتتالية للوزير من تلك الزاوية يقودنا إلى تحليلها من جانبين رئيسيين، الأول يتعلق بتوقيتها والهدف الحقيقي منها، والثاني ببعض مما جاء فيها ويمس مباشرةً قضايا السياسة وليس الدين.

 

فأما عن الجانب الأول، فإنَّ أوليات ما يتعلمه طلاب التحليل السياسي وتحليل الخطاب والنصوص تفرض عليهم دومًا التساؤل أولاً حول دلالات وأهداف التوقيت الذي تصدر فيه التصريحات أو تتخذ فيه القرارات السياسية، ومن الواضح في حالة تصريحات الوزير الأقدم في الحكومة المصرية هو أنها أتت في وقتٍ تموج فيه البلاد وتهتم نخبتها وبعض من شعبها بالقضية السياسية الأكبر وهى التعديلات الدستورية المقرر إجراؤها وما سيتتبعها من تعديلاتٍ مهمة في التشريعات والممارسات المرتبطة بالنظام السياسي كله، والأكثر رجحانًا في ظلِّ السعي الدائم من الحزب الوطني الحاكم، الذي يمثله الوزير في الحكومات المتعاقبة منذ عشرين عامًا، لتفكيك المعارضة القوية لتوجهاته في التعديلات الدستورية والسياسية، أنه يسعى عبر تصريحات وزيره الأقدم النارية إلى إثارة قضية أخرى موازية تستقطب اهتمام الرأي العام وتستدرج القوى السياسية بعيدًا عن مطالبها الأكبر بتعديلات دستورية ديمقراطية، والأرجح أيضًا أنَّ تلك التصريحات تهدف بصورةٍ خاصة إلى تحقيق هدفين سياسيين رئيسيين على هذا الصعيد: الأول هو استدراج الكتلة الأكبر في المعارضة السياسية والبرلمانية في البلاد، أي الإخوان المسلمين، إلى تلك المعركة "الفرعية" حتى يُفرِّغوا فيها ما لديهم من طاقةٍ كان يمكن أن توجه لمعركة التعديلات الدستورية والسياسية "الأصلية"، ويتمثل الهدف الثاني في تفكيك الوحدة النسبية التي توصلت إليها قوى المعارضة المصرية جميعًا حول برنامج الإصلاح السياسي والدستوري المتعارض جذريًّا مع ما ينتويه الحزب الحاكم، وذلك بإثارة تلك القضية "الخلافية" بينها والتي يراهن الحزب الحاكم على أن يؤدي اتساع الجدال حولها إلى تحقيق ذلك الهدف.

 

أما الجانب الثاني السياسي في تصريحات وزير الثقافة بخصوص الحجاب فيتعلق ببعض ما جاء فيها، وهنا تظهر القضية الأولى الأخطر، حيث ينسى الوزير أو يتناسى أن أكثر من ٩٠% من السيدات والآنسات المسلمات أعضاء حزبه الوطني هن من مرتديات الحجاب الذي يراه علامة على "التخلف"، وأنَّ لديه زميلةً في الحكومة ترتديه أيضًا وأنَّ عديدًا من زوجات زملائه في الحكومة وفي صفوفِ الحزب والدولة العليا يرتدينه، فإذا كان الحجاب حقًّا علامة على هذا "التخلف" فعلى الوزير أن يحاسب حزبه الحاكم عليه أو يتركه لاختلاف توجهاته ورؤيته عنه، من ناحيةٍ ثانية، فالوزير "الفنان" المفترض فيه أن يدافع عن كل الحريات بحكمِ منصبه وتخصصه هو الذي يهاجم حرية الناس في الملبس ويربط بين "الحجاب" والتخلف بصورةٍ لا دليل علميًّا أو تاريخيًّا عليها، فمن جهةٍ حقق المسلمون قفزاته