أحيت فلسطين يوم 15 من نوفمبر الذكرى الثامنة والعشرين لإعلان استقلال فلسطين خلال اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني للجزائر في 15 من نوفمبر 1988م, ولكن هذا الإعلان ظل حبرًا على ورق؛ لأنَّ المناسبتين اللاتين وقعتا في نوفمبر أيضًا عام 1917م, 1947م، قد اكتسحتا بالمشروع الصهيوني الإعلان الفلسطيني عام 1988م.. فإذا كان إعلان بلفور قد تجسَّد في قيام "إسرائيل" عام 1948م، فإنَّ الإعلانَ الفلسطيني عام 1988م، قد طمسه حتى الآن المشروع الصهيوني، وتوشك الأجيال الجديدة في المنطقة العربية أن تستجيب لمحاولات طمس الحقائق والدفع نحو النسيان, وكلاهما سلاحان خطيران يتعين على قادة الفكر في العالم العربي أن يتصدوا لهما.

 

ومن المفارقات الغريبة أن المنطقةَ كانت فعلاً قد استنامت إلى حالة التخدير الصهيوني وقاربت على التطبيع بعد فك الارتباط مع ثوابت وحقوق القضية وملابساتها لولا عدوان الصهاينة وبشاعته في لبنان في صيف 2006م، واستمرار الإبادة في فلسطين التي أراد الكيان الصهيوني وغيره أن تكون مشهدًا عاديًا لا يُثير أحدًا وكأن إبادة هذا الشعب أصبحت من المسلماتِ اليومية لا تجد استنكارًا أو شجبًا وهو ما كنا ننكره لعدم كفايته, فإذا بهذا  الحد الأدنى يختفي هو الآخر ويقود الإعلام الصهيوني إلى ترجمةِ هذا الصمت العربي بأنه تسليم بقدر الله في الشعب الفلسطيني أو أنه تسليم بأن الصهاينة فعلاً على حق وتكافح الإرهاب الفلسطيني.

 

إزاء هذه المهمة الخطيرة رأينا أن نُذكِّر الجميع بحاجة الأجيال الجديدة، وهي رهان المستقبل من الطرفين أن تقدم حدثين في مسيرة المشروع الصهيوني الذي استشرى كالسرطان في فلسطين والمنطقة, أو إن شئت فقل محطتين خطيرتين من محطاتِِ هذا المشروع المتطور والمتنامي.

 

المحطة الأولى: هي إعلان بلفور في 2/11/1917م، وهو بالمناسبة ليس وعدًا كما تُرجم باللغة العربية ولكنه إعلان declaration وهو أول بيان رسمي يصدر من الحكومة البريطانية, الدولة العظمى الرئيسية في ذلك الوقت بأن الحكومةَ البريطانيةَ تنظر بعين العطف لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين مع عدم الإضرار بحقوق الأقليات الأخرى.

 

ومعنى الإشارة إلى وطن قومي nation homeland أنهم أكبر من مجرد أقلية دينية وإنما هم شعب لهم الحق في الاستقرار في فلسطين, ولم يكن صك الانتداب بعد ذلك بسنوات قليلة إلا الآلية القانونية التنفيذية لهذا الإعلان عن السياسة البريطانية, كما أنَّ تشجيعَ الهجرة اليهودية كان يهدف إلى توسيع دائرة هذا الوطن القومي, فهي بؤرة تتسع كلما كثر عدد المهاجرين, وليس كلما ترسخت أسانيد الحق في الاستيطان، ويُعدُّ هذا الإعلان الأساس السياسي الوحيد الذي استمرَّ على أساسه المشروع الصهيوني, ويعني أيضًا أنه تمَّ اختيار فلسطين لإنشاء هذا الوطن القومي الذي ترك نطاقه مفتوحًا في فلسطين.

 

وبهذه المناسبة فإن الإعلام العربي يجب أن يُذكَّر مجددًا بهذا الإعلان وظروف صدوره حتى نُذكِّر هذه الأجيال بأن ما يُسمَّى "إسرائيل" تجسيد لهذا المشروع وهي كيان جديد محمل بالدلالاتِ التي لا يستطيع الإعلام الصهيوني ولا تقادم العهد أن يلغي ذاكرة الأجيال في شأنه.

 

أما المحطة الثانية فهي قرار التقسيم رقم 181 الصادر من الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 من نوفمبر 1947م، والذي منح اليهود 56.5 % من مساحة فلسطين وكانت نسبتهم يومها بعد كل موجات الهجرة 30% من عدد السكان.

 

ويجب أن يشرح الإعلام العربي في هذه المناسبة تفاصيل ما جرى حتى صدر هذا القرار، ولماذا رفضه العالم العربي وخدعه قبول الصهاينة الذي كان منحة لهم وتجسيدًا على الأرض للمشروع الصهيوني بعد أن أصبح جزءًا من الشرعية الدولية في ذلك الوقت ورغم كل شيء فإنَّ القرارَ ظلَّ في طور النسيان منذ مؤتمر مدريد عام 1991م، تحت أوهام عهد السلام فلا يجوز الحديث عن قرارٍ يُعيد المنطقة إلى عهد الضلال قبل أن يهدي الله دولها وقادتها إلى نعمة السلام مع "إسرائيل".

 

إنَّ هذا القرار تجاوزه الكيان الصهيوني بعد أن وظف لصالح جزء من المشروع الصهيوني حتى إذا جاء يوم الرابع من يونيو 1967م، كان الكيان الصهيوني  يسيطر على 78% من فلسطين وفي الخامس من يونيو أتم الاستيلاء على بقية فلسطين ثم عمد بالاستيطان والجدار إلى قضم حوالي 13% من 22% وهي كل الأراضي الفلسطينية يوم 5/6/2006م، أي أن الباقي لما يُسمَّى بعملية السلام الوهمية هو 9% من مساحة فلسطين التاريخية.

 

إنَّ أهم ما يجب إبرازه في هذا القرار هو علاقته بقراراتِ مجلس الأمن الأخرى وأهمية إثارته مع كل المرجعياتِ الأخرى.. لقد تعهَّد الصهاينة باحترامِ قرار التقسيم ولكنهم على العكس اعتبروا القرارَ مقدمةً لتنفيذ المشروع الصهيوني على الأرض.