بقلم: شعبان كامل
دأب أصحاب الباطل على ألا يعطوا أصحاب الحق فرصةً في إبداء رأيهم فيما يقذفون به من تهم ويجندون كل الوسائل غير المشروعة.. ويسلطون عليهم أتباعهم ليرموا أصحاب الحق بالتهم والافتراءات.
حدث هذا مع سيدنا لوط- عليه السلام- عندما دعا قومه إلى أن يتركوا الفاحشة وعرض عليهم الحلال من بناته.. ولكنهم لم يستمعوا إليه بل أصدروا حكمهم إذ قالوا دون إعطاء الفرصة لاستماع الرأي ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ (النمل: من الآية56) لماذا؟ ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (النمل: من الآية56) أصبحت الطهارة تهمةً والانغماس في الطين والوحل هو البراءة وهو الشيء العادي لماذا؟ لأنهم أصحاب السلطة والسلطان.
ثم توالى أنبياء الله إلى أقوامهم ينذرونهم ويدعونهم إلى عبادة الله، ولأنَّ أصحابَ الباطل حريصون أشدَّ الحرص على ألا يعطوا الفرصة لأصحابِ الحق لإبداء رأيهم والوصول إلى القاعدة العريضة من الشعب.. إلا أن سنن الله غلابة وإرادة الله قادرة.
فيأتي "الغلام" صاحب قصة أصحاب الأخدود.. وفي حيلةٍ منه يُجبر الملك على أن يُعطيه الفرصةَ لحظةً واحدةً فاستغلها الغلام أحسنَ استغلال وأجبر الملك أن يقول "بسم الله رب الغلام" فقتل الغلام وآمنت القريةُ كلها، فقالوا جميعًا "آمنا برب الغلام"؛ الأمر الذي عرضهم لمحرقة رهيبة نصبها لهم عقابًا لهم على إيمانهم.
ومن بعده سيدنا موسى- عليه السلام-.. عندما أجبر فرعون أيضًا على مناظرة علنية أمام الناس "يوم الزينة" وجيء بالسحرة وحشر الناس لمتابعة المباراة العلنية التى يسمح فيها لسيدنا موسى أن يعرض وجهة نظره وأن يوصل رسالته إلى الناس.. في مشهد ولا أروع من هذا يحكيها لنا القرآن الكريم ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ (طـه:70) ولكن للأسف تعلم الظالمون الدرس جيدًا ألا يعطوا للحق فرصةً واحدةً في التعبير عن رأيهم أبدًا وفى الدفاع عن أنفسهم.. وفي إصرار عجيب.. لأن الحق أوضح من فلق الصبح.. وإنه عندما يمتلك ناصية الحديث ويتكلم فإنه صاحب الحجة وصاحب البرهان والبينة.. ولذلك لا يمكن أن يتركه الباطل أبدًا ليمسك بأي منبر ليوضح للناس وجهة نظره.. حتى اتحاد طلبة في جامعة..
وبعد أن جرد الباطلُ الحقَ من حقه ومن أي منبر.. أخذ يجند جنوده من وزارات تتبعها فرق أمن (أمن دولة، وأمن مساجد، وفرق أمن مركزي) وعبر مجلة قومية لا هم لها ولأصحابها إلا الهجوم على الحق وأهله، وجهاز تليفزيون مملوك للدولة ومدعوم من أموال الشعب لمحاربة الحق.. واتهامه بكل ما هو ليس فيه.. ورميه بكل نقيصة.. وهو ضامن- بعد أن أغلق كل نوافذ الحق في إبداء رأيه- أن الحق مجرد أعزل من حق الرد.. ولم يسلم شيء من سهام أتباع الباطل.
وعندما أراد الحق أن يبتكر من الوسائل لإبلاغ صوته عبر البرلمان (مجلس الشعب) جيِّشَ الباطل جيوشه لمنع الناخبين من الوصول حتى لصندوق الانتخاب لاختيار من يمثلهم بنزاهة وحرية حتى النقابات المهنية قام بمصادرتها واغتصابها عبر فرض الحراسة عليها.. ورغم أنه وباعتراف الجميع أن المحليات "الفساد فيها للركب" إلا أنه قام بتأجيلها حتى لا يصل إليها أصحاب الحق.. أما اتحادات الطلبة فقد سخّر الباطل جنده وشحذ هممه وابتكر كل ما لا يخطر على بال الشيطان نفسه في منع الطلبة أصلاً من الترشيح فقام بشطبهم.. ومنع الآخرين من أن ينتخبوا أحدًا.. حتى يعينوا من يريدون.. ظنًا منهم أن الجامعة هي أول خطوة للحق لتوصيل صوته. أما الانتخابات العمالية فحدث ولا حرج.. من شطب ومنع ونقل للعمال من أماكنهم وتشريدهم..
ولم ينس الباطل المساجد فقام الأخطبوط بوضع أطرافه على كل مسجد.. فقام الأمن في شهر رمضان باعتقال الطبيب الورع التقي الدكتور إمام العدس من محافظة الجيزة وحرمان الناس منه لأن الباطل لا يرضى عنه وفي محافظة قنا قام الأمن باعتقال الأستاذ عمار حنفي لأنه تجرأ وقام بالصلاة ركعتين في اعتكاف إحدى ليالي رمضان.. وحدث هذا مع عدد كبير من محافظة المنوفية أيضًا بسبب إصرار الناس الصلاة خلفهم.. فلا بد أن يكون الجزاء الرادع بالاعتقال.
ونسي أصحاب الباطل أن دولة الباطل ساعة وأن دولة الحق إلى قيام الساعة.. ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ (القصص: من الآية8) ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص:5)