طالب رئيس وزراء فلسطين بلجنة دولية رسمية أو غير رسمية للتحقيق في مجزرة بيت حانون التي وقعت فجر التاسع من نوفمبر 2006م، فهل تنجح هذه اللجنة في وقف مسلسل الإبادة ضد الفلسطينيين المرتبط بطبيعة المشروع الصهيوني، حتى لو سلَّمنا جدلاً بإمكانية الاستجابة للطلب الفلسطيني؟!
لقد راقب العالم كله ما جرى في غزة، خاصةً في بيت حانون، وهو فصلٌ جديدٌ من فصول المأساة الفلسطينية التي تقوم أساسًا على فرضية واحدة، وهي التسليم من جانب العالم العربي بأن القضية في يد "إسرائيل" والولايات المتحدة يتم تسويتُها عن طريق الإبادة لهذا الشعب تحت شعار البحث عن تسوية, وهي كلمة أصبحت سيئةَ السمعة، مثل كل المصطلحات التي يتم تداولُها في الساحة العربية، مثل خريطة الطريق, وخطة تينيت، وخطط آخرين غيره, واللجنة الرباعية, ومجلس الأمن, والنتيجة النهائية هي هذا الاستفراد "الإسرائيلي" المؤلِم بالشعب الفلسطيني.
وقد قلت آلافَ المرات ولا نظن أننا نضيف جديدًا عندما نقول مرةً أخرى وليست أخيرةً: هل وافَقَ العرب على تسوية القضية عن طريق الإبادة؟! وهل أزمة النظام في فلسطين هي جزءٌ من هذه التسوية؟! ولماذا سكت العرب جميعًا عن مجرد الإدانة؟! بل لم يجرؤْ مندوبو الدول في الجامعة العربية على مجرد الإدانة أيضًا؟!
لقد تحوَّل العالم العربي إلى مرحلة لم يعُد لديه الشجاعةُ حتى على إنكار ما يحدث للفلسطينيين, وإن تم الإنكار بقلوبهم بعد أن لقوا من النقد الكثير بسبب مواقف الإدانة والشجْب التي ميَّزت المواقف العربية في السابق, فقد قرَّروا التعبير عن العجز وتفادي هذا النقد بالصمت.
يهمني في هذه المقالة أن أبرز أمرين بكل وضوح:
الأمر الأول: هو أنه لا يجادل أحد في أن "إسرائيل" تقوم بشكل منهجي بإبادة الشعب الفلسطيني، بدءًا برجال المقاومة، وانتهاءً بكل من هو فلسطيني، وإذا حصرنا الأفعال "الإسرائيلية" ووضعناها في ميزان القانون الدولي- وهو ما فعلته محكمةُ العدل الدولية في رأيها الاستشاري حول الجدار العازل في يوليو 2004م- اتضح أنها بلا جدال أعمالُ إبادةٍ للعِرق الفلسطيني نفسه, وأن من لا يريد الإبادة فليستمع إلى نصيحة ليبرمان بأن يرحل طوعًا عن فلسطين حتى تخلوَ لليهود لاستكمال المشروع الصهيوني, حتى رغم انكسار المشروع الاستعماري الغربي، ورغم العلاقة الحميمة بين المشروعَين الاستعماري والصهيوني بحسبان الأخير جزءًا أصليًّا من الأول, ولا أظنُّ أننا بحاجة في هذه المقالة أن نسرِدَ هذه الأعمال، وأهمّها ضرب الناس بالصواريخ من الجوّ كأنهم أهداف عسكرية وضربهم بصواريخ أرض- أرض، بصرف النظر عن أعمار أو طبيعة الضحايا؛ مما يُسقِط تمامًا حجةَ "إسرائيل" أنها تتعقَّب المقاتلين.
وحتى هؤلاء المقاتلين الذين يدافعون عن شعبهم ضد العدوان قد أصبح دمُهم مباحًا لدى "إسرائيل" ولدى العالم العربي، والغريب أن "إسرائيل" تأسف على موت المدنيين, وهم كلهم مدنيُّون, لأنه لا يمكن إقامة التمايُز المعروف في أوقات الحروب العادية بين الأهداف المدنية المحمية وبين الأهداف العسكرية التي يجوز استهدافها، وهي هدف الطرف الآخر.
يُضاف كذلك أنه من الغريب أن يهتم الإعلام العربي فقط بضحايا الإبادة "الإسرائيلية" من النساء والأطفال، وكأن من حقِّ "إسرائيل" أن تقتلَ غيرَهم, وقد يكون هدفُ تمييزِ هذه الفئات إثارةَ عطفِ الرأي العام؛ باعتبار أن الأطفال والنساء يتمتعون برعاية خاصة حتى في أوقات الحروب, ولا يدرك الإعلامُ العربيُّ أن هذا الموقف يُثير شعورًا عامًّا لدى الرأي العام الدولي بالضعف والاستكانة بلا مبرِّر.
وهذا السلوك هو نفسه الذي أغرى "إسرائيل" بالمزيد؛ لأنها لا ترتدع بأي رادع أخلاقي أو قانوني، ما دام مشروعها يقضي بالقضاء على كل العِرق الفلسطيني حتى يحلَّ محلَّه اليهودُ, فهو صراعُ بقاءٍ وليس صراعَ سلطةٍ أو تسوية كما أوهَمَنا المجتمعُ الدوليُّ الموهومُ, ولا تعرف "إسرائيل" سوى القوة والمعاملة بالمثل.
ورغم كل الأسلحة غير الإنسانية وأعمال الإبادة المنظَّمة فإنني واثقٌ بأن أي عملية فدائية ردًّا على كل هذه المجازر سوف تلقَى شجبًا فوريًّا من الأنظمة العربية أولاً ومن المجتمع الدولي تقوده الولاياتُ المتحدة، وهي التي أعطت "إسرائيل" ورقةً بيضاءَ لإبادة هذا الشعب يوم أن أعلنت أن واشنطن تتفهَّم أي عملية تقوم بها "إسرائيل" ضد الفلسطينيين؛ لأنها دفاعٌ عن النفس اليهودية الزكيَّة مقابل النفس الفلسطينية المنحطَّة، وكأن لليهود إلهًا آخرَ غير إله الناس.
الأمر الثاني: هو أن العالم العربي الذي تجاوز التنديد والاستنكار والشجب قرَّر الصمتَ، والسبب في ذلك أنه لا ينازِع حجة "إسرائيل" والولايات المتحدة بأن كل الفلسطينيين إرهابيون، وأنه لا يمكن إنكار الجزاء العادل الذي تُنزله "إسرائيل" فيهم، ما داموا أكدوا أنهم ضد الإرهاب، رغم أن العرب أحيانًا يهمِسون بأن هناك من حيث المبدأ فقط فارقًا نظريًّا بين الإرهاب والمقاومة، ولكنهم لا يجرؤون على تسمية الأشياء بأسمائها كما حدث تمامًا في قمة الجزائر عام 2005، والغريب أنهم يكرِّرون بأن السلام الذي تجلَّت ثمارُه في إبادة الفلسطينيين هو خيارُهم الاستراتيجي.
ومن الأمور المستفزة في الخطاب العربي أن يحلِّلَ البعضُ أحداث الإبادة في غزة وغيرها بأنها أزمةٌ في نظام الحكم، ويستريح إلى أن هذه الأزمة تعبِّر عن نفسها بهذه المذابح، وكأن استمرار المذابح هي نتيجةُ استمرار الأزمة, وهذا أمرٌ يُسعد هؤلاء المراقبين، بل رأى بعض المراقبين العرب أن هذه المذابح جميعًا تهدف إلى استفزاز الفصائل حتى تُقْدِم على أعمال ضد "إسرائيل" تعطيها الفرصة والذريعة، وهم يدركون جيدًا خطأَ هذه المقولة، وأن الحقيقة هي أن هناك مخطَّطًا إباديًّا للشعب الفلسطيني، وأن طبيعة المشروع الصهيوني وآليات تنفيذه تتطلَّب حتمًا إبادةَ هذا الشعب، وذنبه الوحيد أنه يسكن فلسطين ويتحجَّج بأنها أرضه ولن يزول عنها مهما تواترت المذابح.
فماذا ينتظر العرب؟ ولماذا ذهبوا إلى مجلس الأمن وهم يعلمون حدودَ قدرته وحدودَ إفلاسه المادي والمعنوي؟ ولماذا إذن يوهِم الحكامُ شعوبَهم بأن عملية السلام مستمرةٌ إلا أن تكون عملية السلام هي الاسم الكودي لعملية الإبادة وهم على حق إذن؟!! ولماذا يجتهد بعض الوزراء العرب الأفذاذ فيذكر في غضب أن عملية السلام قد ماتت، وأن خريطة الطريق بحول الله كفيلةٌ بوصول "إسرائيل" إلى نهاية مشروعها؛ بحيث يُقتَل الفلسطينيون يوميًّا أملاً في تطبيق هذه الخريطة التي بشَّر بها أحدُهم بطريقةٍ تثير الرثاء.
والخلاصة هي أن "إسرائيل" تدرك أن الجانب الفلسطيني قد أصبح وحدَه، وأن فرصتَها ذهبيةٌ في القضاء عليه, ولكن السؤال: هل هي تقوم بذلك بمباركة عربية أو بحساب بسيط, وهو أن العرب لا علاقةَ لهم بعدُ بهذا الشعب الإرهابي؟! وهل هذه المذابح لها علاقةٌ بمخطط تصفية حكومة حماس "البغيض"؟! ألم تقتل "إسرائيل" الجميع، بما في ذلك الأجنحة العسكرية التابعة لحركة فتح وغيرها؟! وهل مخطط الإبادة يستثني في الوقت الحاضر السياسيين من حماس حتى يأتي دورُهم بعد ذلك؟! وما معنى إصرار الزعماء العرب على أنَّ تسوية القضية الفلسطينية هي المدخل إلى بساتين الاستقرار والسلام والديمقراطية في المنطقة؟! وهل يقصدون حقًّا بهذه التسوية تلك الإبادة (أي التسوية عن طريق الجراحة) وهو الحل التاريخي الذي تصوَّره هتلر لليهود؟!
لديَّ شعور آخر أرجو أن يكون خاطئًا، تكوَّن من متابعتي لطرق الإبادة "الإسرائيلية" منذ قيام "إسرائيل"، وهو أن الحكومات العربية قد تعِبَت ويئِسَت وملَّت من طلب العدل والحياة للفلسطينيين، فأقرُّوا بأن عليهم أن يواجهوا مصيرَهم, فهذا قدَرُ الله فيهم ولا رادَّ لقضاء الله وقدره.. هذه النتيجة لا تعني اليأس بقدر ما تعني ضرورة البحث عن طرق أخرى لكشف الغمَّة عن الفلسطينيين.
وقد كتبت مرارًا في هذا المعنى, وخلاصتُه أن هناك شعورًا رسميًّا عامًّا بأن العالم العربي لا قِبَل له بهؤلاء الوحوش الذين يفترسون الأخضر واليابس، وأن العالم بغير الفلسطينيين سيكون أكثر سلامًا واستقرارًا بعد أن تبيَّن لهم مؤخرًا أن الصراع في فلسطين هو صراعُ بقاء, وأن التاريخ عرَف سلالاتٍ كثيرةً أُدخلت فيه وليس دخول الفلسطينيين كجنس منقرض بدعةً من بدع التاريخ.
وإذا سلم الزعماء العرب بصحَّة هذه النتيجة فإن الحقيقة الماثلة هي أن تصميم الشعوب العربية وقدرات البلاد العربية أكبر بكثير من حساباتهم، وأن بقاء الشعب الفلسطيني في أرضه وطرد غُزاته ليس هو حكم القانون وحده ولكنه إرادةُ الحياة في شعوب هذه المنطقة, ولذلك فليتوقف الحكام عن الاستمرار في مراهناتهم وليتوقفوا من باب أولى عن الاستمرار في مهزلة عملية السلام التي أصبحت عمليًّا لا تعني سوى عملية الإبادة, بل أصبحت كلمة السلام وما يلحق بها تستنفر الناس وتُثير سخريتهم.
في ضوء هذه الحقائق دعا إسماعيل هنية- رئيس الوزراء الفلسطيني- إلى تشكيل لجنة دولية غير رسمية للتحقيق في مجزرة بيت حنون ما لم توافق الولايات المتحدة في مجلس الأمن على قرار في تشكيل اللجنة الدولية، من الواضح أن مجلس الأمن لن يوافق على مجرد إدانة "إسرائيل"، ناهيك عن التحقيق في جرائمها، وهناك تجربةٌ مريرةٌ سابقةٌ في جنين عام 2002م، وهي مؤشر أصبح أشدَّ حرصًا على "إسرائيل" من دماء الفلسطينيين.. أن هذه المجزرة هي الأداة الطابعية لتحقيق المشروع الصهيوني، وأن أفعال "إسرائيل" تشكِّل- بإجماع الفقهاء- جرائم إبادة للشعب الفلسطيني، ولكنَّ المشكلة لتحقيق العدالة في فلسطين لا تتعلق بعدم وجود محكمة دولية أو عدم وجود قانون دولي، ولكن المشكلة الحقيقية هي طبيعة المشروع الصهيوني والحماية الأمريكية المطلَقة له، والعجز أو السكوت العربي أو التسليم العربي بأن إبادة الشعب الفلسطيني قدَرٌ لا سبيلَ إلى دفعه.