الصورة غير متاحة

 د. حسن نافعة

 

كان الوقت مبكرًا حين توجهت إلى مكتبي في الجامعة صباح الأحد الماضي للإعداد للاجتماع الشهري لقسم العلوم السياسية الذي أَشرُف برئاسته والذي ينعقد ظهر الأحد الأول من كل شهر.

 

وما إن اقتربت من الشوارع المؤدية إلى الجامعة حتى وجدت عربات الأمن المركزي مصطفَّةً بالعشرات في مشهد تكاد تنخلع له القلوب وتقشعرُّ له الأبدان، ورغم أن وجود قوات الأمن في تلك المنطقة لم يكن بالأمر المستغرَب أو نادر الحدوث، فإن كثافة هذا الوجود ودرجة الاستعداد التي بدا عليها الجنود أثارا في نفسي مكامن قلق غير معتاد، ما لبث أن تضاعف عندما وصلتُ إلى المدخل الرئيسي للجامعة، فهناك وجدتُّ الجنودَ بكاملِ عتادِهم من الخُوَذ والدروع والعِصِيّ الغليظة، مصطفِّين في دائرة تحيط بقاعدة النُّصْب المقام على بُعد أمتار من المدخل، وهم في وضع الجاهزية الكاملة، وكأن معركةً حاميةَ الوطيس على وشك أن تبدأ، استفسرت عن الأمر بسرعة، فعلمت أن له صلةً بانتخابات اتحاد الطلاب، وأن ما أراه ماثلاً أمامي مجرد إجراءات احترازية تحسبًا لمظاهرات متوقَّعة، احتجاجًا على تدخل الأجهزة الأمنية.. لم أستطع أن أخفي شعورًا بالقلق والامتعاض معًا، وأنا أهم بالدخول إلى الجامعة في ظل هذا المشهد، غير أن استغراقي في العمل ما لبث أن طغى على هذا الشعور.

 

كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة والنصف حين استقللت سيارتي قاصدًا باب الخروج الرئيسي في طريق العودة، غير أن سيارةً قادمةً في الاتجاه المعاكس أشارت بما يفيد أنه مغلق.

 

ولأننا اعتدنا كثيرًا على هذا النوع من المضايقات فقد استدَرتُ في حركةٍ لا إرادية قاصدًا بابًا آخر قريبًا من دار العلوم، أعرف أنه يتحوَّل في مثل هذه الحالات الطارئة إلى مخرج ومدخل وحيد من وإلى تلك الجامعة المكدَّسة إلى درجة الاختناق، غير أن مفاجأةً غيرَ سارَّةٍ كانت تنتظرني هناك أيضًا، فقد وجدت هذا الباب بدوره مغلقًا والعربات مكدَّسة وراءه في طابور يمتد طوله لأكثر من مائتي متر، ولأنه لم يكن بوسعي الانتظار على هذا النحو فقد استدرتُ عائدًا مرةً أخرى في جولة طواف حول أسوار الحرم الجامعي، لعلي أجد بابًا آخر للفرج، لكن هيهات!! وهكذا وجدت نفسي أعود من جديد إلى المدخل الرئيسي الذي يوجد عنده في العادة كبار ضباط الحرس الجامعي، خصوصًا في مثل هذه الأحوال الاستثنائية.

 

وعندما وجدت أن الباب ما زال موصدًا تملَّكني شعورٌ بالغضب وترجَّلت من سيارتي متوجِّهًا نحو أحد الضباط وسألته صائحًا ومستنكرًا عما إذا كان قد صدرَ أمرٌ باحتجاز الأساتذة أيضًا وحبسهم داخل الحرم الجامعي؟! ورغم أن الضابط- الذي لم أكن أعرفه- ردَّ على استفساري الاستنكاري الغاضب بأدبٍ جمٍّ مصحوبٍ بابتسامةٍ عريضةٍ قائلاً: ما عاش من يجرؤ على حبسك يا دكتور حسن!! ورجاني أن أتوجَّه إلى باب دار العلوم، وعندما أجبته- والغضب ما زال سيد الموقف- أن باب دار العلوم مغلَق هو الآخر وأنني أمارس الطوافَ حول أركان الجامعة الأربعة منذ ما يقرب من نصف الساعة محاولاً العثور دون جدوى على منفذ للخروج، وطلبت منه صائحًا أنه لم يعد هناك بدٌّ من فتح الباب الرئيسي على الفور.. اعتذر مرةً أخرى بأدبٍ، راجيًا أن أعود من جديد إلى باب دار العلوم، مؤكدًا أنه سيُصدر إليهم تعليمات بفتحه على الفور، وقد كان!!

 

لم تكن هناك صعوبةٌ كبيرةٌ في اكتشافي أن السبب الرئيسي في هذه المشاهد الدرامية التي حوَّلت جامعة القاهرة إلى ما يشبه الثكنة العسكرية يعود إلى قرار سياسي بالحيلولة دون فوز الطلاب المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين، مهما كان الثمن، بأي مقاعد في انتخابات اتحاد الطلاب؛ ولتحقيق هذا الغرض تصرَّف جهاز الأمن في الجامعة، وبالتنسيق الكامل مع المسئولين فيها، على النحو التالي:

1- لم يتم تحديد موعد معين لبدء قبول أوراق الترشيح للانتخابات، وأبقى هذا الموعد في طي الكتمان، وك