لا يزال اعتقادي جازمًا بأن محاكمة صدام وصدور الحكم عليه بالإعدام يوم 5/11/2006 هو استخدام آخر لورقة صدام حسين، فقد كان الرجل في حياته ورقة في يد الولايات المتحدة, وكان غزو العراق ورقة أخرى, ثم كان إعلان القبض على صدام وتوقيته استخدامًا ثانيًا لصدام وهو يغادر حضن الحليف القديم الذي أصبح قوة غازية محتلة وسلطة آسرة.

 

وليس سرًّا أنَّ واشنطن كانت تعتقد أن القبض على صدام يرفع شعبية بوش يومها وهو ما حدث, وأن القبض عليه سوف يوقف المقاومة بحسبان أنَّ صدام كان يقود المقاومة التي هدد بها واشنطن قبل الغزو حين قال إن بوش هو هولاكو العصر وأنه سوف ينتحر على أبواب بغداد.

 

ورغم أنَّ المقولةَ صحيحة وأنَّ غزو العراق سيظل ندبًا في جبين الولايات المتحدة, وربما أدَّى إخفاقها المدهش في العراق وجهلها بأبسط قواعد الجغرافيا السياسية والأنثروبولوجيا السياسية في العالم العربي إلى طي صفحة القوة العظمى والسماح لظهور عصر جديد بعد أن تكالبت كوارثها في أفغانستان والعراق ولبنان وفلسطين, فأصبحت مصادر قوتها هي نفسها مقبرة القوة العظمى, وهما: النفط والكيان الصهيوني, التي تحث واشنطن الآن على القفز في المجهول ضد إيران في الوقت الذي يتبنى فيه الكيان الصهيوني حساباته مع القوى البازغة على المسرح الدولي وهي الصين والهند.

 

ولعلنا نلاحظ أن واشنطن لعبت بورقة صدام حسين مثلما حولت كل القيم الإنسانية إلى أوراق سياسية وبعضها لا يتحول بطبيعته في الماضي ثم كان توقيت الحكم جولة أخرى من إلقاء الورقة قُبيل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس وحيث قام مدير المخابرات المركزية ومن قبله وزيرة الخارجية ووزير الدفاع بزيارة إلى بغداد لإعداد الصفقة, ولكن الإخراج كان قبيحًا كالعادة حيث صدر الحكم بالإعدام في محاكمةٍ هزليةٍ, وقام الحكم على قوائم هشة لا تحمله خطوات إلى غاية.

 

 الصورة غير متاحة

 محاكمة صدام حسين

وكان مثار دهشتنا عندما ظهرت فكرة محاكمة صدام حسين أنَّ المحاكمة ذاتها فكرة طيبة حتى يعلم الحكام العرب ما هم يدركونه بالضرورة من أنَّ واشنطن لا تبقى على أحدٍ مهما كانت خدماته لها وتفانيه في تحقيق مصالحها, مثلما فعل الشاه وصدام في حقب متفاوتة، فقد قدَّم الشاه لها خدمة إستراتيجية عظمى في الخليج وعلى حدوده الطويلة مع الاتحاد السوفيتي السابق, مثلما قدَّم صدام لواشنطن على طبقٍ من ذهب ذريعة التواجد العسكري والسياسي في الخليج وتمزيق المنطقة العربية.

 

كذلك تظهر محاكمة أول حاكمٍ عربي في بلده وعلى يد جلاديه وجزء هام من شعبه أنَّ الشعب نفسه يمكن أن يكون أداة لجلدِ الحاكم وإعدامه لحساب القوى الأجنبية, وهذا هو النموذج الصارخ في العراق.

 

واتصالاً مع مسألة توظيف صدام, ثم توظيفه كورقة, لستُ مندهشًا من الحكم وليس لدي شعور بجديته وإنما جاء إعلانه في لحظةٍ معينةٍ كانت متأخرة جدًّا حتى تُغيِّر رأي الناخب الأمريكي في حكم الجمهوريين الذي أرهق البلاد, وعزم الناخب الأمريكي على أن يصحح بصوته ما أفسده رئيسه وأن يشكل له برلمانًا يجعل عاميه الباقيين من حكمه جحيمًا سياسيًّا وربما قدَّمه قبل نهاية العامين إلى محاكمةٍ حقيقية, وهذا هو العقاب الديمقراطي لشعبٍ يثق في حاكمه ولكنه يسلك الطريق المعاكس لمصالحه.

 

وليس الناخب الأمريكي بحاجةٍ إلى أن يعرف من المصادر العربية أنَّ الدعم الأمريكي الأعمى للكيان الصهيوني هو سبب البلاء من أفغانستان إلى دارفور مرورًا بالعراق ولبنان وفلسطين, وأن كراهية العالم وتذمره من السياسات الأمريكية أفقدت واشنطن مكانتها ووقارها بين الأمم وجعلت حلفاءها من كل صوبٍ يفرون منها كما يفر السليم من الأجرب.

 

ولدي شعور لا أستطيع مغالبته، وهو أن صدام لن يُعدم وربما بلغ الشطط في الشعور إ