بغداد- وكالات الأنباء
عقد وفدٌ أمريكيٌّ رفيعُ المستوى برئاسة مستشار الأمن القومي ستيفن هادلي مع رئيس الحكومة الإقليمية في كردستان العراق مسعود البارزاني اجتماعًا سياسيًّا مهمًّا، ناقشَ قضية علاقة الإقليم مع الحكومة المركزية العراقية في العاصمة بغداد، من جهة أخرى قُتل جُنديٌّ أمريكيٌّ جديدٌ و22 عراقيًّا في أعمال عنف متفرقة من البلاد، من جهة ثالثة أظهر تقييمٌ عسكريٌّ أمريكيٌّ أنَّ العراق يتَّجِه نحو المزيد من الفوضى بسبب العنف.
وقد أظهر رسم توضيحي عسكري أمريكي سرِّيٌّ نشرته صحيفة (نيويورك تايمز) في عددها الصادر أمس الأربعاء 1/11/2006م أنَّ تقييمًا أجراه قادةٌ عسكريون أمريكيون قبل نحو أسبوعين أشار إلى أنَّ العراق يتجه إلى الفوضى.
ويُظهِر الرسم الذي يحمل عنوان "فهرس الصراع المدني" خطًّا متغيرَ الألوان ووضع كلمة "السلام" على اليسار و"الفوضى" على اليمين، ويضع سهم الموقف الراهن داخل المنطقة الحمراء على أقصى اليمين، وهي أقرب إلى الفوضى منها إلى السلام، وقد بدأ هذا التحوُّل منذ تفجير مرقدَي الإمامين علي الهادي والحسن العسكري في سامراء في فبراير الماضي.
وأقر قادةٌ عسكريون أمريكيون لوكالة (رويترز) للأنباء أنَّ العنف في العراق قد بلغ أعلى مستوياته منذ الغزو الأمريكي لهذا البلد العربي المسلم في ربيع العام 2003م، ولكنَّهم قالوا إنَّ بالإمكان تجنُّب نشوب حرب أهلية شاملة.
وقالت الجريدة الأمريكية إنَّ الرسم التوضيحي قد تمَّ إعداده من جانب القيادة الوسطى في هيئة الأركان الأمريكية المشتركة، والتي تشرف على العمليات في العراق، وأشارت إلى أنَّه قد تمَّ عرضُه خلال إفادة في 18 أكتوبر الماضي.
كما يُظهر الرسم أيضًا تحوُّلاً طفيفًا باتجاه الفوضى خلال الأسبوع الماضي، إلا أنَّ الإدارة الأمريكية حاولت التضليل على هذا الفشل الأمني والسياسي الذريع لها في العراق؛ فقال توني سنو- المتحدث باسم البيت الأبيض- إنَّ الرسم التوضيحي كان مجرد لقطة أُخذت في ذروة العنف خلال شهر رمضان، وقال: "لو حَصُلْتُ على نفس التقرير الأسبوع الماضي لكنت اكتشفتُ أنَّ الحوادث الطائفية على مستوى البلاد خلال الفترة من الحادي والعشرين حتى السابع والعشرين من أكتوبر انخفضت بنسبة 23%، وأنَّ عدد القتلى والجرحى في أنحاء البلاد انخفض بنسبة 23%، وأنَّ حوادث العنف الطائفي في بغداد قد انخفضت بنسبة 23% كما انخفضت أعمال القتل الطائفي في بغداد بنسبة 41%".
ورفضت القيادة الأمريكية التعليق على الوثيقة السرية، غير أنَّ مُتَحَدِّثًا باسمها قال إنَّ قائد القيادة الأمريكية الوسطى الجنرال جون أبو زيد وزعماء آخرين يناقشون "واقع الوضع في العراق".
وقال جاري أراسين- المتحدث باسم القيادة الوسطى-: "في الواقع أدلى الجنرال أبو زيد في شهر أغسطس بإفادة أمام الكونجرس تضمَّنَتْ أنَّ علاماتٍ مثيرةً للقلق تُشاهَد بشكل متزايد في العراق تُشير إلى أنَّ البلد قد يتجه نحو حرب أهلية ما لم تتم مواجهتها بشكل مباشر وحاسم لإخمادها"، وأضاف: "للوصول إلى تلك الغاية حشد الرئيس جورج بوش ورئيس الوزراء العراقي نوري المالكي فريقًا من أبرز المستشارين خلال الأيام الأخيرة للتصدي بقوة للوضع".
وقال أراسين إنَّه لا يوجد شك في أنَّ الوضع في العراق "صعب للغاية، ولكن لدينا ثقة كبيرة في قيادتنا وفي قواتنا وفي الحكومة العراقية وفي قواتها الأمنية الآخذة في التوسُّع لوقف العنف والسماح لشعب العراق بالعيش بلا خوف في مجتمع ديمقراطي".
ولكن يبدو أنَّ الواقع الميداني يُكَذِّب أراسين ويَصْدُق أكثر على التقرير الأمريكي "السِّرِّي"؛ حيث قُتِلَ 22 عراقيًّا أغلبهم من الشرطة في هجمات متفرقة خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية, كما أعلنت مصادر حكومية العثور على 50 جثةً قُتِلَ أصحابها رميًا بالرصاص في مناطق مختلفة من العراق من بينها 35 جثةً في العاصمة بغداد و9 جثث في الموصل شمالاً, أمَّا على صعيد القوات الأمريكية فقد أُعلن عن مقتل أول جندي أمريكي في هذا الشهر.
وكانت أبرز العمليات تلك التي جرت في بغداد وقُتل فيها اثنان من المسئولين عن المحكمة الجنائية المركزية العراقية بانفجار قنبلة زُرعت قرب خزان وقود سيارتهما، بينما كانا يعبُران جسرًا قرب المحكمة وسط بغداد، ولم تعلن الشرطة العراقية اسمي المسئولين.
كما قال مصدر بوزارة الداخلية العراقية إنَّ مسلحين قد أصابوا حازم الحميداوي زعيم الحزب الوطني العراقي بعد أنْ نصبوا كمينًا لسيارته, كما أصيب في الحادث اثنان من حرَّاسه أيضًا.
ومع ازدياد هذا التدهور في الأوضاع الأمنية نقلت قناة (الجزيرة) الفضائية عن وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد قوله إنَّه يدعم زيادة عدد قوات الأمن العراقية إلى أكثر من 325 ألف عنصر، وقال للصحفيين في مقرِّ البنتاجون إنَّه تلقَّى توصياتٍ من الحكومة العراقية وقائد القوات الأمريكية في العراق الجنرال جورج كايسي بشأن زيادة عدد القوات العراقية والإسراع في تدريبها.
ولم يُحَدِّد رامسفيلد العدد الإضافي للجنود العراقيين الذي أوصى به كايسي، لكنَّ مسئولين بالكونجرس الأمريكي اعتبروا أنَّ تعزيز الوحدات العراقية- الذي سوف يُضاف إلى نحو 310 آلاف عنصر حاليًا- سوف يَتطلَّب 32 ألفًا و500 جندي إضافي.
من ناحية ثانية نفَت وزارة الخارجية الأمريكية في بيان لها أنْ يكون رئيس الوزراء العراقي المالكي قد أرغم القوات الأمريكية في العراق على اتخاذ قرار برفع الحواجز عن مدينة الصدر في بغداد، وأشار البيان إلى أنَّ القرار قد اتُّخِذَ بالتنسيق مع القوات العراقية.
وفي سياق متصل اعتبر رئيس مجلس النواب العراقي محمود المشهداني أنَّ سيطرة قوات الاحتلال الأمريكية على تحرُّكات القوى الأمنيَّة العراقية من أهم أسباب ضعف القوى الأمنية، وقال إنَّ القوى الأمنية تحتاج إلى إعادة هيكلة وتطهير من العناصر غير الجيدة؛ لتتمكن من سيطرتها على الوضع الأمني في غضون ستة أشهر.
من جهة أُخرى أعلنت قيادة الجيش الدانماركي أمس الأربعاء أنَّ القوات الدانماركية في جنوب العراق سوف تنتقل إلى قاعدة في مطار البصرة؛ لأن بريطانيا تريد إغلاق القاعدة الحالية لتقليل التكاليف وتجميع القوات في مكان واحد.
وأضاف الجيش الدانماركي أنَّ نحو 470 جنديًّا دانماركيًّا في معسكر دانيفانج- الذي يخضعون للقيادة البريطانية- سوف ينتقلون نحو 15 كيلو مترًا إلى قاعدة عمليات الطوارئ في المطار في موعد تناوب القوات القادم في شهر فبراير 2007م.
وقال بيان للجيش الدانماركي: "في التقدير المبدئي فإنَّ هذه الخطوة من غير المتوقَّعِ أنْ تؤدِّي إلى تقليل حجم المفرزة الدانماركية، لكنها ستكون على الأرجح إيذانًا بدور ملموس بدرجة أكبر للقوات الدانماركية".
وفي الشأن العراقي- الأمريكي أيضًا اجتمع وفدٌ أمريكيٌّ مكون من مستشار الأمن القومي ستيفن هادلي والسفير الأمريكي في العراق زالماي خليل زادة برئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني في مدينة أربيل.
وذكر رئيس ديوان رئاسة إقليم كردستان العراق فؤاد حسين أنَّ الطرفين بحثا الوضع الأمني بالعراق، والعلاقة بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان، مشيرًا إلى أنَّ الوفد الأمريكي طلب من الجانب الكردي الاستمرار في دوره الإيجابي لتثبيت الاستقرار في العراق.
وقالت (الجزيرة) إنَّ الاجتماع جرى بين الطرفين يوم أمس في "أجواءٍ من السرية والكتمان" بعيدًا عن الإعلام، وأرجع مراقبون ذلك إلى أنَّ الجانب الأمريكي تحفَّظ هذه المرة من إجراء المراسم العلنية حتى لا يثير شكوك أطراف عراقية تجاه هذه الزيارات والاجتماعات بالقيادة الكردية، كما حدث في اجتماع وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس بالبارزاني أيضًا في أربيل الذي رُفع فيه علَم إقليم كردستان العراق بجانب العلَم الأمريكي، الأمر الذي أزعج أطرافًا عراقيةً وخصوصًا من العرب السُّنَّة.