سافر عادل للعلاج في القاهرة مطمئنًا إلى صحة والدته "أم محمد" مستأنسًا بدعائها بالشفاء والعودة إلى بيته العامر بالزوجة والأولاد قبل عيد الفطر، توصيه الحاجة أم محمد بالانتباه لنفسه، وتهدهد على كتف ابنها والدمع يترقرق من عينيها، تقلب بصرَها في الابن كأنه طفل صغير، تلامس شعر رأسه، وتلاعب أصابع يده، يتصل عادل ليخبر أهله أن قد وصلت القاهرة وغدًا سأذهب إلى الطبيب وسط رحلة العلاج من آفات عديدة أصابته طوال ست سنوات لهَته عن الوقوف عندها تغطيتُه المتواصلة للأحداث اللاهبة المتلاحقة في رفح على مدار انتفاضة الأقصى.
يدقُّ هاتف عادل.. على الخط شقيقه الأكبر يخبره بإصابة والدتهما "أم محمد" بجلطة في الدماغ تستدعي عودته إلى رفح في أسرع وقت؛ للوقوف إلى جانب من ذَرَفت الدمع على فراق العلاج قبل عشرين يومًا، بلا تفكير ولا استشارة طبيب يحزم عادل حقيبته، ويلملم الدواء قبل أن يبرَأ الداء، ويسير بسرعة البرق إلى السيارة لتنقله إلى معبر رفح.. لم ينتبه في هذه اللحظات التي نزلت عليه كالصاعقة أن معبر رفح الحدودي الذي يصل غزة بالعالم الخارجي مغلقٌ ولا يُفتح إلا بعد مفاوضات شاقَّة مع الصهاينة..!! في الطريق تذكر الأمر ضرب بيده على رأسه.. آواه.. آواه.. المعبر مغلق، لكنه يقرر المسير لربما يفتحه المراقبون الأوروبيون يوم غد (صبيحة يوم عيد الفطر).
المعبر مغلق، لم تستثر استغاثات النساء والشيوخ والأطفال رحمةَ الصهاينة، ولم تحرِّك ضمائر الأوروبيين، اضطُّر عادل إلى المبيت في بيت أخته في مدينة رفح المصرية ريثما يُفتح المعبر يوم العيد، استيقظ عادل مبكرًا على صوت التكبير والتهليل في مساجد مدينة رفح الفلسطينية، توجَّه إلى المعبر الواقع على بُعد مئات الأمتار عن منزله، ما زال المعبر مغلقًا ولا أملَ بفتحه اليوم، يتلقَّى اتصالاً من صديق له يهنئه بالعيد، اتصل صديق ثانٍ بعد دقائق من اتصال الأول، الأمر بسيط تهنئة أخرى، شعور بالسرور عندما يتذكرك الأصدقاء وأنت خارج بلدك ويتصلون بك للتهنئة، لكن الأمر ليس تهنئةً.. أنت رجل مؤمن وقويٌّ يا عادل.. عظَّم الله أجرَكم وأحسن عزاءَكم.. الوالدة توفاها الله قبل قليل.. رحمةُ الله عليكِ يا حاجَّة... رحمة الله عليك يا أمي..!!
صمَت عادل قبل أن يودعه مخبره.. كطفل ضائع وقف يتلمَّس طريقًا يصل منه إلى رفح ليلقي نظرة الوداع الأخير.. ليشارك في مواراة جثمانها ثرى الأرض التي أحبتها.. ليتقبَّل عزاءها.. رؤيتها تخفف شيئًا من الغُصَّة والحزن.. وعدمه سيزيد الأمر بالتأكيد وهو ما كان.
عادل متى ستصل..؟! للأسف المعبر مغلق.. ولن يفتح اليوم.. توكَّلوا على الله فـ"كرامة الميت دفنه"، لن يحول هذا الجدار دون الوقوف على مواراة أمي الثرى.. يعتلي عادل بنايةً سكنيةً في رفح المصرية من أربع طبقات تبعُد نحو مائتي متر من الحدود ويمد بصره إلى نحو رفح الفلسطينية.. تقدمت الجموع نحو المقبرة الملاصقة للحدود.. يرى عادل جثمان أمه مرتاحًا في النعش الذي حمله الرجال على أكفِّهم.. يرفع يديه مودِّعًا أمَّه ومسلِّمًا على المشيِّعين الذين ردُّوا التحية بمثلها.
عادل زعرب (32 عامًا) صحفي فلسطيني يعمل مراسلاً لوسائل إعلام محلية من مدينة رفح الحدودية أقصى جنوب قطاع غزة منذ اندلاع انتفاضة الأقصى في نهاية سبتمبر 2000، عانَى طوالَ تغطيته لأحداث المدينة الحدودية التي استُشهد فيها أكثرُ من خمسمائة شهيد ودمِّرت فيها نحو خمسة آلاف بيت سكني فلسطيني، معظمها يقع في الأحياء والمخيمات الملاصقة للحدود المصرية.. تَسَارُعُ الأحداث وسخونتُها في رفح أكثر من المدن الأخرى من قطاع غزة كان يستدعي من عادل عدم مغادرة المدينة ليواكب الأحداث أولاً بأول، وقد أخَّرته الأحداث (الاعتداءات العسكرية الصهيونية) من عرض أمراضه على الطبيب، فتركها تحت وطأة ضغط العمل لينتشر أكثر من داء في جسده دون أن ينتبه لخطورة إهمال نفسه.
ثاني أيام العيد وافقت سلطاتُ الاحتلال الصهيوني على فتح معبر رفح البري لتمكن الآلاف من ذوي الحالات الخاصة من المرضى والطلبة من السفر إلى وجهتهم، وتمكَّن مئاتٌ مثل عادل من العودة بعد رحلة علاج أو رحلة عمرة، لكنَّ عادل عادَ دون أن يُكمِل دورة العلاج كاملةً، فالأمر يستلزم العودة لمتابعة مشوار العلاج في العاصمة المصرية.
الظروف لم تعد مواتيةً هذه المرة.. الحكومة الصهيونية أصغت إلى تحذيرات أجهزة الأمن والاستخبارات، وأعطت الجيش ضوءًا أخضرَ لينفِّذَ عمليةً عسكريةً كبيرةً يكون مسرحها الشريط الحدودي في رفح.. المعبر أُغلق بعد يومين من افتتاحه، وأُغلق لتعود رفح إلى واجهة الأحداث الساخنة مرةً أخرى.. استراحة تخللها تسخين بسيط من جيش الاحتلال.. لكن هذه المرة الأمر سيطول.. رفح محطّ أنظار القيادة السياسية والعسكرية الصهيونية، وحدود المدينة مع الأراضي المصرية هي الهدف هذه المرة كما كانت كذلك طوال السنوات الخمس السابقة.
خلال خمس سنوات متتالية دمَّرت قوات الاحتلال أكثر من خمسة آلاف بيت سكني للفلسطينيين في الأحياء الواقعة على الشريط الحدودي، الذي يصل طولُه من أقصى نقطة في الغرب عند شاطئ البحر إلى قرية الشوكة في أقصى الجنوب الشرقي نحو أربعة عشر كيلو مترًا، هذه المسافة الطولية وبعمق يصل من 300م- 700 م كانت مسرح عمليات قوات الاحتلال طوال السنوات الماضية؛ فدمَّرت نحو 70% من منازل الشريط الحدودي الواقعة في أحياء ومخيمات (تل السلطان، حي زعرب، حي البراهمة، مخيم شعت، مخيم يبنا، بلوك O، حي قشطة، حي الشاعر، مخيم البرازيل، حي السلام، قرية الشوكة، منطقة الدهينية) أسماء أحياء كانت مسيطرةً على المشهد الإعلامي المحلي والإقليمي والدولي طوال فترة الانتفاضة، وتراجعت عن السيطرة قليلاً، ولكن ليس طويلاً.
فسكان هذه الأحياء بدأوا يلمسون الخطر يداهمهم مرةً أخرى مع تهديد الصهاينة الجدِّي قبل أيام قليلة باستعداد سلاحهم الجوي لقصف المناطق الحدودية بقنابل "ذكية" وفقًا لقرار اتخذه مؤخرًا رئيس هيئة أركان الجيش الجنرال دان حالوتس؛ لمعالجة موضوع الأنفاق الأرضية التي يتدفَّق عبرها أسلحةٌ ومتفجراتٌ بكميات كبيرة إلى الفلسطينيين من الجانب المصري كما تقول أجهزة الاستخبارات الصهيونية.
وتتسلل القنابل الثقيلة إلى عمق الأرض بجوار فوَّهة النفق وتُحدث انفجارًا شديدًا؛ ما يؤدي إلى تصديع الأرض وإحداث انهيارات قوية يَخشى سكان الشريط الحدودي- الذين يقدَّر عددهم حاليًا بنحو خمسة عشر ألفًا- من تداعيات القصف على مناطقهم.
تهديدات الكيان الصهيوني باحتلال الشريط الحدودي وبقصفه بالقنابل الذكية سيطرت على نقاش المعزِّين في بيت عزاء "أم عادل" الذي عليه أن يستعد هذه المرة لجولة جديدة من العدوان العسكري؛ لكنه عدوانٌ سيكون أشدَّ بطشًا هذه المرات؛ إذ على قوات الجيش أن تنفِّذ المخطط في أسابيع محدودة قبل أن يعظُم الانتقاد الدولي للسياسة الصهيونية.
عاد عادل ليودع والدته فلم يسعفه الأمر، لكنه واصل وجهته إلى بيته في رفح ليستقبل العزاء على أمل أن يعود مرةً أخرى لاستكمال رحلة علاجه، لكنه لم يكن يعلم أن الأمر سينقلب رأسًا على عقب، وأن الحكومة الصهيونية ستطلق يدَ جيشها ليدمر الشريط الحدودي من رفح.
بعد أيام من انتهاء العزاء ذهب عادل إلى أحياء ومخيمات الشريط الحدودي ليقف على مواقف سكان الشريط الحدودي فإذا بكثيرٍ منهم يخشون قادم الأيام، ويستعدون للانتقال من بيوتهم إلى مساكن مؤقتة؛ ليُبعدوا أنفسَهم عن مخاطر القنابل الذكية التي ستذكِّي نار الحرب من جديد في مدينة رفح التي يُعدُّ الصحفي عادل زعرب لها عدتَه كلها؛ استعدادًا للوقوف على الجبهة، ينقل الحدث، ويعد الخسائر، ويحصي الدمار، وينقل الصورة المرة القادمة.