اللافت للنظر أن مصر الرسمية مُصرَّة على اتخاذ موقف من حزب الله لا يتسم بالعداء بقدر ما يتسم بالنقد المستمر والمتكرر، وكانت الإشارات الأولى عندما أعلن الرئيس مبارك خلال العدوان الصهيوني على لبنان في يوليو 2006م نقده لعملية خطف الجنديين الصهيونيين من جانب مقاتلي حزب الله، وأوضح الرئيس مبارك في تصريحاتٍ متفرقةٍ أنَّ الحزبَ جزءٌ من التشكيلة الوزارية اللبنانية, وأنه اتخذ قرار خطف الجنديين وهو يعلم بالآثار والرد الصهيوني؛ ومع ذلك لم يتشاور مع بقيةِ أعضاء الحكومة حتى يمكن اتخاذ الترتيبات اللازمة لإعداد البلاد لهذه الآثار المدمرة.. كان واضحًا أنَّ نقدَ الرئيس للحزب ينصبُّ أساسًا على فداحة الدمار الذي لحق بلبنان, وعدم التناسب بين خطف جنديين وبين كل هذا الدمار, وهو نقد كان يجب أن يُوجَّه إلى الكيان الصهيوني وليس حزب الله، وافترض الرئيس أنَّ الحزبَ أقدم على الخطف وهو مدركٌ لاحتمالات الرد الصهيوني, خلافًا لحالات الخطف السابقة, ورغم تأكيد السيد حسن نصر الله الأمين العام للحزب الذي أعلن مرات عديدة أن سياسة الحزب هي اللجوء إلى الخطف لكي يبادل المخطوفين مع الأسرى الذين أمضوا عقودًا في السجون الصهيونية والذين تضم قائمتهم لبنانيين وفلسطينيين وعربًا آخرين غيَّبتهم ظلمات هذه السجون والتعذيب الوحشي لهم, وليسوا على أجندةِ أحد في العالم العربي وكأنَّ قضيتهم أمرٌ مشين للعالم العربي ويسيء إليه وأنه من العار الحديث عن هذه القضية، ولكن الرئيس مبارك كرر موقفه دون أن يبدو أنه أخذ في الاعتبار إيضاحات الحزب, وربما كان بذلك يرد على الملاحظات القاسية ضد بعض الزعماء العرب، ولكن القضية في ظني ليست رد الرئيس أو تأكيد موقف لأن مصر دولة كبرى ولا بد أن يحظى موقفها بالتحليل المنطقي وأن تتحدد المصلحة الوطنية وراء هذه المواقف.
في نفس الاتجاه تواترت تصريحات وزير الخارجية المصري التي تنتقد حزب الله على أساس أنَّ الحزب يُنفِّذ أجندة أجنبية بعيدة عن المصالح اللبنانية, وأن خطف الجنديين كان خطأً مقصودًا ويهدف إلى أن يفلت الحزب من استحقاق نزع سلاحه في إطار الحوار الوطني، وأضاف إلى ذلك أن حزب الله تسبب في المزيد من احتلال الأراضي اللبنانية أي أنَّ تصرف الحزب سبب العكس من منظور المصلحة اللبنانية.
هذا الموقف الرسمي المصري يسانده موقف فكري وثقافي لعددٍ من الكُتَّاب من بينهم مفكرون لهم علاقات دافئة مع الولايات المتحدة, وبعضهم ينتقد الحزب من موقع طائفي, أو من موقع علماني يُعادي الخط الإسلامي أصلاً، على الجانب الآخر يقف الشارع المصري كله تقريبًا مع حزب الله ويصدق بياناته.. هذا التقابل التام بين الموقف الرسمي وبعض المواقف الفكرية المحدودة للغاية في مصر لا بد أنَّ له أسبابه التي يتعين تحليلها في هذه المقالة.
أما الموقف الرسمي المصري, فمن الواضح أنه لم يتفاد اتهام الحزب صراحةً بأنه ينفذ أجندة محددة سورية أو إيرانية, وهو يقدح بذلك في وطنية الحزب ولبنانيته، من الواضح أيضًا أنَّ مواضع النقد المصري للحزب تكرار للموقف الذي تؤكده قوى 14 آذار في لبنان, كما تلتقى بغير تفصيلٍ كثيرٍ مع بعض المواقف الرسمية العربية.
من الواضح ثالثًا أنَّ الموقف الرسمي المصري أدان العدوان الصهيوني والدمار الذي سببه, وطالب بالوقف الفوري لإطلاقِ النار, كما بادرت مصر إلى إصلاح الخلل الذي اعترى قرار مجلس الأمن 1701، وطالب الجميع باحترامه على أية حال طلبًا للهدوء في لبنان, كما تبدي مصر الرسمية قلقها على تطورات الوضع الداخلي للبنان حتى قبل العدوان وكان لها بعض المساعي لإنجاح الحوار الوطني وتجنب الحدة التي قد تشعل الحرب الأهلية من جديد.
من الواضح رابعًا أنَّ موقف مصر يؤثر بشكل ما حتى في ظل انسحاب الدور المصري وانكماشه وانكفائه على نفسه, ولسوء الحظ فإن موقف مصر مع دول أخرى منذ يوم 13/7/2006م أي في اليوم التالي للعدوان الصهيوني, كان له أبلغ الأثر على الموقف الصهيوني والأمريكي في الحرب, بل تجاسر الصهاينة على البوح بأن زعماء عربًا اتصلوا بهم لتشجيعهم على سحق حزب الله، فالثابت حقًّا أنَّ هذا الموقف استفزَّ الشارع العربي والإسلامي وأشار بأصابع اتهامٍ ظلَّت تكبر كلما أمعن الكيان الصهيوني في عدوانه, وعانى من صمود الحزب وانهيار المخطط.
الثابت أيضًا أن تل أبيب التي أوهمت نفسها بأنَّ المواقف الرسمية العربية تؤيد عدوانها وتباركه أوهمت نفسها أيضًا بأن حزب الله مكروه ومعزول في العالم العربي, وأن سحقها له هو فرض كفاية عن هذا العالم العربي الذي يُقدِّر لها حسن صنيعها ويدخلها إلى قلوب العرب بهذا العمل القدري، والذي لا بد أن تعلمه تل أبيب جيدًا هو أن حسن نصر الله تحول إلى أيقونة ورمز وتحول الحزب خارج لبنان إلى رمز للصمود في مواجهة غطرسة القوة والإذلال والتواطؤ المكشوف بين إسرائيل وأمريكا، وإذا كان المقام لا يتسع لتحليل مدلول بعض المواقف العربي, فإنه تكفي الإشارة إلى أنَّ فشلَ الكيان الصهيوني في توظيف قوته العسكرية والغطاء الدبلوماسي الهائل والذي توفَّر له واعترافه منذ البداية بأنه ينفذ خطة مدبرة وأنه أصبح مؤهلاً لكي ينفذ في حزب الله قرارات مجلس الأمن الذي لم يحترمه يومًا (أي الكيان) قد أشعل الحماس في الشارع العربى والإسلامي للحزب وأمينه العام وهو يلحظ السكوت العربي الشامل, حتى خرجت من هذا الشارع كل صور الإدانة والاتهام للحكومات العربية، واستعلى هذا الشارع على بعض التلميحات الطائفية الصادرة عن بعض الحكومات العربية, واستغربت أن تدين هذه الحكومات المؤامرة الأمريكية الطائفية في العراق في الوقت الذي تمارس نفس الشيء مع حزب الله.
ولكن الذي يهمنا في هذه المقالة بشكلٍ محددٍ تلك الأسئلة الملحة في تحليل الموقف المصري من حزب الله.
فلماذا تعادي مصر حزب الله وتُدخل نفسها طرفًا في صراعٍ لبناني داخلي وأين مصلحتها في ذلك؟ ولماذا يؤيد الشارع المصري وجميع القوى السياسية المصرية بلا استثناء, بينما تقف الحكومة موقفًا معاكسًا؟
هذا السؤال يطرح بإلحاحٍ على الحكم في مصر حتى يُوضِّح للشعب هذا الفارق الضخم في الموقف من حزب الله.. ألا يدافع الحزب عن أرض لبنانية وألا يدافع ضد أعتى آلة حربية معتدية, وألا يسعى الحزب إلى تحرير الأسرى العرب؟ وحتى لو التقت المصالح السورية والإيرانية مع حزب الله ضد الكيان الصهيوني والولايات المتحدة, أليس ذلك أمرًا يتعلق بمعركة واشنطن وتل أبيب مع أعدائهما؟.
ولماذا تنكر مصر أن يتلقَّى حزب الله اللبناني المساندة من سوريا وإيران وحتى من الشيطان ما دام يُدافع عن أرضه, بينما لم تنكر تبجح أمريكا بمساندتها للكيان الصهيوني في عدوانه بكل أنواع الأسلحة المُحرَّمة والعالم كله يتفرج على هذا المشهد المخزي.. وألا تدرك الحكومة المصرية أن موقفها بعيد للغايةِ عن موقف شعبها, وهل كانت مصر الرسمية تأمل حقًّا أن ينتصر الصهاينة ويسحقون حزب الله وتحتل لبنان حتى يقال إنَّ نقدَ الحزب في البداية نابعٌ من بعد النظر والحكمة, وأنَّ الحزب لم يحسب للأمر حسابه وأن طيشه واندفاعه أعمياه عن جديةِ تحليل النتائج المختلفة، وهل تحرص مصر الرسمية على المخطوفين الصهاينة بينما لا يهمها الأسرى العرب ما دام الحديث عن هؤلاء الأسرى سيقلب المواجع على أسرانا الذين أُعدموا وهم أمانة في يد القوة الغاشمة الآسرة دون أن تحرك مصر ساكنًا, أم أن إرغام حزب الله الكيان على اتباع قواعد لعبة مختلفة معه قوامها الجدية يحرج الحكومات العربية جميعًا وبشكلٍ أخص مصر الرسمية التي تتسامح بشكلٍ لافتٍ مع العبث الصهيوني المتكرر بأرواح جنودنا داخل منطقة الحدود المصرية "الإسرائيلية"، وما هي المصلحة التي تعود على مصر من موقف مصر الرسمية من حزب الله ومواصلة نقده في هذا الظرف الدقيق الذي يوزع فيه الحزب اهتمامه على الحملة الدولية ضده لإضعافه وتحجيمه ومنعه من الردِّ على تطاولات العدو الصهيوني وتماديه ضد لبنان، كما يرجئ اهتمامه على الساحة الداخلية بعد أن أدَّى تدويل المسألة اللبنانية خاصةً بعد العدوان الأخير إلى خلط الأوراق الداخلية والدولية لصالح الكيان الصهيوني.. وما مصلحة مصر في نزع سلاح حزب الله, كما أننا نتساءل أيضًا عن مصلحة مصر في الاشتراك في الحملة الدولية لحصار الشعب الفلسطيني وإسقاط حماس لصالح فتح وتدهور الأوضاع ودخولها إلى حرب أهلية.. إذا كانت مواقف مصر الرسمية تُعبِّر عن مزاجٍ شخصي فلا نظن أن هذه المسألة يصح فيها العفوية والتعبير التلقائي عما تكنه قلوب الساسة, أما إن كانت المواقف مدروسة فإننا نأمل بصدقٍ أن يتفضل الحكم بتوضيح الاعتبارات والمصالح التي جعلت موضوع حزب الله الشاغل اليومي تقريبًا لوزير الخارجية.
وإذا كان مفهومًا, وإن لم يكن مقبولاً, أن يفسر موقف الحكم من حماس بمقاييس المسرح الداخلي المصري وعليه لاعب جديد هو الإخوان المسلمون, وعلاقة الإخوان بحماس, فهل نفس المقاييس هي نفسها التي تدفع إلى الخشية من أن ارتفاع أعلام الحزب ترفع أعلام الإخوان في مصر والتيار الإسلامي عمومًا؟.. وهل لو كان حزب الله حزبًا مسيحيًّا وتصادف جدلاً أن كان حليفًا لأمريكا ويدافع عن لبنان ضد الصهاينة, فهل موقف مصر الرسمية سوف يتغير؟.