وددت ألا تستدرج جريدة العربي الناصري- التي نُقدِّرها- إلى معركةٍ لا يستفيد من ورائها إلا الخصوم، خاصةً ونحن في مرحلةٍ أحوج ما نكون فيها إلى تضافر كافة الجهود وتكاتف كل القوى، وكنتُ أرجو أن تبادر الصحيفةُ إلى الاتصال بي لتقفَ على حقيقة ما حدث حتى تفوِّت الفرصةَ على مَن يريدون الصيدَ في الماء العكر، لكن هكذا شاءت إرادة الله.
فما جاء عنوانًا في الصحيفة بعددها الصادر في 22/10 بالصفحة الأولى من أني تراجعت عمَّا قلتُ وأن الإخوان المسلمين ليسوا عقبةً ضد التوريث هو في الواقع كلام يُجافي الحقيقة وينافي الصواب، وأبدأ فأقول نحن نريد أن نُفرِّق بين ما جاء في جريدة العربي الناصري في عددها الصادر بتاريخ 15/10 من حوارٍ تضمَّن عبارة قيل إنها وردت على لساني- وهي لم ترد أصلاً- وهي أننا نقف ضد التوريث ولو على جثتنا، وبين حوارٍ دار مع مندوب وكالة (رويترز) بعدها بيومين حول التوريث استمرَّ حوالي ثلاثة أرباع ساعة تمَّ فيها اختزاله وابتساره في عدةِ عبارات لا تُعبِّر هي الأخرى عن حقيقةِ الموقف الذي نتخذه، وكنتُ أنوي إرسال توضيحٍ له لكن الوقت والظروف لم تسعفني حيث كنتُ على سفر.
على أي حالٍ أنا أحبُّ أن أؤكد على عدة معانٍ:
أولاً: أننا نرفض التوريث شكلاً وموضوعًا، جملةً وتفصيلاً، وقد ذكرنا هذا عشرات المرات وفي مجالات عدة؛ في حواراتٍ صحفية وأخرى خلال قنوات فضائية، ونحن نرفض هذا ليس من دواعي الظرف التاريخي، والدوافع الديمقراطية فحسب ولكن أيضًا من واقع ما سيجره ذلك على مصر من ويلاتٍ؛ إذْ إنَّ السياسةَ الاقتصاديةَ التي يتبعها الوريث سوف تؤدي بالضرورةِ إلى الإجهاز الكامل على الآثار المتبقية للطبقة الوسطى التي بدأت بالتآكل منذ عهد السادات والتي تُمثِّل مرتكز الدولة، فضلاً عن أنها مناط الابتكار والإبداع.. إن ضياع هذه الطبقة أوجد فجوةً هائلةً بين الطبقة العليا التي يدعمها ويسايرها الوريث- لأسباب شخصية وربما دولية- التي يتحالف فيها رجال المال والأعمال مع السلطة وبين الطبقة الدنيا التي يُعبِّر عنها أغلبية الشعب المصري، الأمر الذي ينذر باضطرادٍ وتصاعدٍ حالة الغليان والاحتقان وعدم الاتزان داخل المجتمع المصري وهو ما يُمثِّل خطورةً عليه.. نحن نرفض أن يأتي جمال مبارك أو غيره من خلال مادةٍ معيبةٍ من الدستور تجعل مرشح الحزب الوطني هو اللاعب الوحيد في انتخابات الرئاسة القادمة.
ثانيًا: أننا يجب أن نُفرِّق بين رفض التوريث والأدوات والوسائل والأساليب التي سوف نواجهه بها.. وأنا هنا أقول إنَّ أقصى ما نستطيع أن نمنع به التوريث هو إحدى وسيلتين؛ إما مظاهرات سلمية تجتاح الشارع المصري وتستمر عدة أيام، وإما عصيان مدني يشل حركة الحياة.
وأظنُّ أنَّ كلا الأمرين يحتاج إلى حراكٍ شعبي عام يكون له أثره ونتائجه على نظامٍ فاسدٍ وديكتاتوري وقمعي.
ولا شك أنَّ الظروفَ الحاليةَ في مصر- في تقديري- غير قادرة على إنجاز أي من الأمرين، فالشعب ليس جاهزًا ولا معبأً ولا مُهيَّأً لهذا.. وأنا لا أقول هذا من باب التيئيس، لكني أقوله من بابِ ضرورة تحفيز همم الشعب وحشد وتعبئة الجماهير للتحرك لمنع التوريث وعدم الوقوف بسلبية أو لا مبالاة أمام حدث سوف تكون له آثاره وتداعياته على حاضر مصر ومستقبلها، بل وعلى دورها الإقليمي والعالمي.
إن الجماهير يجب أن تُدرك أن عليها مسئوليةً في هذه القضية المصيرية، وأن هذه المسئولية قد تقتضي منها التضحية الغالية، ثم إني أقول هذا من دراستي للواقع الذي نعيشه.. خذوا مثلاً تجربة التظاهرات التي واكبت تعديل نص المادة ٧٦ من الدستور في عام ٢٠٠٥م والتي تمَّ فيها اعتقال حوالي ٣٠٠٠ من الإخوان ولم يُحرِّك هذا في الشعب ساكنًا.. فهل تريد جريدة العربي الناصري منا أن نواجه أكثر من نصف مليون جندي مدججًا بالسلاح بمفردنا؟ ومَن الذي يتحمَّل مسئولية الدماء التي يُمكن أن تسيل إذا- إن قدَّر الله- اشتبكت معنا قوات الأمن أو أية قوات أخرى؟
قد ثبت من التجربة أن هذه القوات تستطيع أن تُغلق مداخل القاهرة وتغلق مداخل وسط القاهرة، فلا تتمكن بضعة آلاف من أن تمر، فضلاً من أن تتجمع، وبالتالي ما لم يكن هناك تحرك شعبي عام لا تقوى أجهزة الأمن على مواجهته وقمعه، فليست هناك قوة بمفردها- ولو كانت في حجم الإخوان- أن تُسقط النظام أو ترغمه على قبول ما تريد.. ولو أن المسألة تكمن في صراخ نخبةٍ هنا أو هناك إذا لهان الأمر، ولكن المسألة أعقد وأصعب من هذا بكثير، وأؤكد أنني لم أقل أننا لن نقف عقبة أمام التوريث، بل العكس هو الصحيح، ولكن نتمنى أن تحول هذه العقبة دون تحقيق التوريث.
تعالوا نضع أيدينا جميعًا في أيدي بعض وكافة القوى السياسية والوطنية، ونتحرك مع الشعب المصري بكل الوسائل والسبل الممكنة لإيقاف الخطوة النهائية للتوريث.. لقد جرت خطوات أخرى من قبل ولم نستطع إيقافها، منها تعديل نص المادة ٧٦ من الدستور، وتأجيل انتخابات المحليات، ومد العمل بقانون الطوارئ، وصدور قانون السلطة القضائية لا كما يريد السادة القضاة، وصدور قانون الصحفيين مع الإبقاء على الحبس في قضايا النشر، ولا زالت المحاكم والقوانين الاستثنائية المقيدة للحريات والموصوفة بأنها سيئة السمعة باقية حتى الآن، علاوةً على أن المسرح يُعدُّ لاستبعاد السادة القضاة من الإشراف على العملية الانتخابية.
ثالثًا: هناك فارق بين أن نقول سوف نقف عقبة ضد التوريث وبين أن تكون هذه العقبة كافية وقادرة لمنع التوريث.. أنا أقول إنَّ هذه العقبة سوف تظل غير كافية ما لم يكن هناك حِراكٌ سياسي ومجتمعي عام.. نحن نريد أن تتكتل كل القوى وتتضافر كل الجهود السياسية والشعبية لمنع التوريث من جهة وكضمانة لحماية الديمقراطية والحفاظ عليها من جهةٍ أخرى.
نحن لا نريد أن نستبدل استبدادًا باستبدادٍ آخر، أو طغيانًا بطغيانٍ آخر، لكننا نسعى لأن يتكوَّن هذا الرأي العام القوي والضاغط الذي يستطيع أن يسترد حقوقه في الحرية ويفرض إرادته في المشاركة في صنع الحياة وتقرير المصير.. نحن ضد الثورة وضد العنف معًا؛ فالثورة تؤدي إلى الفوضى والفوضى تفتح بابًا من أبواب الفتن والمفاسد والشرور، كما أنَّ استخدام العنف للوصول إلى السلطة يُعطي الشرعية لمَن يمتلك أدواتها ووسائلها حق الوثوب على السلطة في أي وقت.
نحن مع النضال السلمي وعبر القنوات الدستورية والقانونية، وإذا لم نستطيع أن نُغيِّر نظامًا من خلال صناديق الانتخابات الشفافة، فلا مناصَ من الحل عن طريق التظاهرات السلمية أو العصيان المدني، وهذه أو تلك- كما قلت آنفًا- ليس هذا أوانها.
غير أن هناك طاقات كامنة لدي الشعوب قد تكشف عنها لحظة فارقة في تاريخها تتغير معها كل الحسابات والتقديرات، لكن حتي هذه اللحظة تحتاج إلي من يستحقها.
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
--------------
* النائب الأول للمرشد العام للإخوان المسلمين