بقلم: أحمد عز الدين

في يوم 17 أكتوبر الجاري نقل موقع "المصريون" تصريحات للدكتور محمد حبيب النائب الأول للمرشد العام للإخوان المسلمين نقلاً عن وكالة (رويترز) للأنباء بشأن التوريث، وفي اليوم التالي مباشرةً نشر الموقع مقالاً للأستاذ محمد حماد تعليقًا على ذات التصريحات لنائب المرشد، بنَى عليها مواقف وتحليلات، وقال ما قال بشأن موقف الإخوان من التوريث.

 

دعونا نمسك بأول الخيط: فقد قال د. حبيب لـ(رويترز): "لا تستطيع أي قوة أن تقف عقبةً أمام التوريث ما لم يكن هناك حراك وسند شعبي"، وقد راجعت د. حبيب فقال إن محرر (رويترز) توم بيري لم ينقل كلماته بشكل جيد (ربما بسبب حاجز اللغة)، ولكن حتى لو أخذنا بما أوردته الوكالة فإننا سنجد أن الموقع نشر الشطر الأول فحسب من الكلام- وليسمح لي رئيس تحرير الموقع الأستاذ العزيز محمود سلطان- على طريقة "لا تقربوا الصلاة"؛ ولم يُشِر إلى شرط "الحراك والسند الشعبي"، وقد بنى الأستاذ حماد على ما نشر الموقع، ويبدو أنه لم يرجع إلى نص (رويترز) ولا إلى المصدر ذاته؛ أي د. حبيب ليتأكد من قوله، خاصةً أن الأستاذ محمد حماد- محرر مسئول في جريدة العربي الناصري التي نشرت حوارًا للدكتور حبيب قبل ذلك بأيام قليلة- أكد فيه موقف الرفض للتوريث "ونؤجل مؤقتًا الرد على حكاية "على جثثنا" التي كانت عنوان الحوار الصحفي".

 

ومن الطبيعي أننا حين نريد أن نبني رأيًا عن موقف شخص أو جهة ما أن نأخذ التصريحات باعتبارها كلاً لا يتجزأ، ويدرك ذلك المشتغلون بالإعلام على وجه الخصوص؛ لأن الوكالات تلجأ عادة إلى تجزئة التصريحات و"فردها" في أكثر من جملة.. ومجمل التصريحات التي أوردتها رويترز هي بالنص: "الجماعة لا ترى ردود فعل شعبية تذكر إذا خلف جمال مبارك والده في الرئاسة.. لا تستطيع أي قوة أن تقف عقبة أمام التوريث ما لم يكن هناك حراك وسند شعبي وأنا (أي د. حبيب) أتصور أنه غير موجود أو احتمالاته ضعيفة.. بدون هذا أنا أتصور ألا يمكن أن نقف عقبةً أمام التوريث.. سنرفض هذا التوريث، ولكن هذا الرفض ستكون له حدود وآفاق يتوقف عندها ما لم يكن هناك الحراك الشعبي والسند".

 

هذا ما نقلته الوكالة، وما يمكن فهمه من تلك التصريحات أن هناك خططًا للتوريث باعتباره قرارًا سياسيًا للنظام، وسيسعى النظام لتطبيق القرار كما يطبق سائر قراراته،  وقد سبق له أن طبق قرارات مرفوضة شعبيًا ولم تستطع القوى السياسية أن تمنعه من ذلك؛ لأن الرفض الشعبي لم يصل إلى مرحلة إجبار النظام على الرضوخ لمطالبه أو تهديد النظام ما لم يستجب لمطالبه، ورغم أن هناك رفضًا لقرار التوريث من جانب القوى السياسية- ومنها الإخوان بالتأكيد- إلا أن هذا الرفض لا يكفي لمنع تنفيذ القرار ما لم تكن هناك ردود أفعال شعبية؛ لأن ردود الأفعال الشعبية تمثل الحراك والسند الشعبي للسياسيين، ولكنه للأسف غير موجود، أو أن احتمالاته ضعيفة.

 

وبدون أن يجد الإخوان الدعم الشعبي فإنهم لن يستطيعوا منع التوريث (وهنا الخطأ الأهم فيما نقلته الوكالة؛ إذ إن هناك فارقًا بين قول د. حبيب لمحرر رويترز إننا لن نستطيع منع التوريث وبين ما نقله من أن الإخوان لن يقفوا عقبة أمام التوريث).

 

وطالما أن الحراك والسند الشعبي غير موجود فإن رفض الإخوان سيكون له حدود، إذ من غير المعقول ولا المنطقي أن يلقي الإخوان وحدهم بأنفسهم في أتون مواجهة مفتوحة لكل الاحتمالات مع نظام معروف استبداده واستعداده للبطش والتنكيل بالإخوان خاصة، بينما بقية القوى السياسية تتفرج، علمًا بأن الإخوان يعملون من أجل تحفيز الحراك الشعبي ولكن تحفيز شعب عاش مستكينًا قرونًا من الزمان، وانصرف بالكلية عن الشأن العام ولديه إرث مرير من الديكتاتورية وعبادة السلطة أمرٌ أكبر من طاقة الإخوان وحدهم، ولا يمكن تحقيقه في يوم وليلة.

 

من الممكن لأي محلل منطقي واقعي أن يتفهم الكلام السابق، لكن الأستاذ حماد خرج منه بنتائج مفادها أن الإخوان اختاروا أن يكونوا في جعبة الحاكم، وأنهم ربما يئسوا من فكرة إخراج مصر من تلك الجعبة، وأنه ربما تكون هناك عدم ممانعة من الإخوان للتوريث تمهد لها مثل هذه التصريحات التي اعتبرها مخيبةً للآمال.. وأن تصريحات الإخوان تنتقل من التصلب إلى الليونة، وأن التصريحات المعلبة جاهزة للتوزيع، كلٌّ في طريقه، حسب طلب الزبون، أو حسب تقلب الريح السياسية حسبما قال، وأنه ليس من حق د. حبيب أن يتحدث باسم الآخرين الذين يرفضون المسلسل والسيناريو بكل مشاهِده.

 

معقول يا أستاذ حماد؟! من يصدقك حين تقول إن الإخوان اختاروا أن يكونوا في جعبة الحاكم ونحن نراهم قوة المعارضة الرئيسة في مصر؟ وكيف يكون الإخوان في بطانة الحاكم أو أصحاب مواقف متلونة وهم يدفعون ثمن مواقفهم المعارضة والثابتة سجنًا واعتقالاً واضطهادًا لم ترَ مثله قوة سياسية أخرى؟ ومن يصدق أنهم لا يمانعون التوريث وهناك العشرات من التصريحات التي صدرت عن المرشد وعن د. حبيب ذاته وعن غيرهما من قيادات الإخوان تؤكد رفض التوريث؟!

 

هناك فريق من الناس- نرجو أن لا يكون الأستاذ حماد معهم ولا منهم- تداعب مخيلاتهم أمنية الدفع بالإخوان في مواجهة مع النظام تضعف الطرفين معًا لصالح أطراف أخرى لا تقبل النظام الحاكم؛ باعتباره محتكرًا للسلطة لا يرغب في إشراكهم معه في جزء من الكعكة، ولا تقبل في الوقت نفسه أن يكون الإخوان بديلاً للنظام، وقد يتصور البعض أنه يمكن التحول من مجرد التمني إلى محاولة الدفع باتجاه أن تصبح الأماني واقعًا ملموسًا، وذلك بمحاولة توريط الإخوان في مواقف غير مرغوبة، فإن فشلت محاولات التوريط فهناك وسيلة أخرى وهي تحريف الأقوال أو اجتزاؤها، ووضع عناوين لا تمتُّ للمضمون بصلة، في مجتمع يستمد معظم معلوماته من العناوين، وللأسف فقد وقعت جريدة (العربي الناصري) التي يعمل بها الأستاذ محمد حماد في خطأ من هذا النوع، أرجو أن يكون استثناءً، وذلك حين لجأت إلى الزيادة في كلام د. حبيب في حواره الذي أشار إليه الأستاذ حماد، فالدكتور حبيب نفى أن يكون قد قال إن التوريث سيكون "على جثثنا" ولكن الجريدة أضافت الكلمتين للحوار واتخذت منهما العنوان الرئيس للمقابلة!!

 

البعض يتصور- خطأً- أن الإخوان جواد بلا فارس، أو عربة بلا سائق، أو جسد بلا رأس، وهناك من يريد أن يواجه النظام حتى آخر قطرة من دم الإخوان، وهناك من يجلس إلى مكتبه ينظِّر للإخوان أو يحاول دفعهم إلى مواقف سياسية يتصور أنها  صحيحة- ولا أقول أكثر من ذلك- فإذا لم يأخذ الإخوان بتلك المواقف هاج وماج وهاجم الإخوان واتهمهم بالتقاعس وعقد الصفقات مع النظام أو.. أو..!!

 

يا جماعة.. الموضوع بسيط جدًّا.. الإخوان وحدهم هم الذين يدفعون الثمن.. ومن يدفع الفاتورة من حقه هو وحده أن يختار ويقرر متى يتقدم أو يقف، ومتى يقول أو يصمت، علمًا بأنهم يتشاورون مع الآخرين وينصتون لهم ويأخذون آراءهم بعين الاعتبار.

 

ولكنهم في النهاية هم أصحاب القرار.. ومن لا يعجبه ذلك فليتقدم، ففي ميدان العمل العام متسع للجميع ولا يشغل نفسه باتهام الإخوان.