بقلم: غسان مصطفى الشامي

 الصورة غير متاحة

 غسان مصطفي الشامي

يَشهد الواقع الفلسطيني أزمةً حقيقيةً، من اضطراباتٍ داخليةٍ بين أطراف فلسطينية، إلى توغلاتٍ احتلاليةٍ واغتيالاتٍ في مختلف مناطق قطاع غزة والضفة الفلسطينية، إلى سِجالاتٍ إعلاميةٍ شديدةٍ بين أكبر فصيلَين فلسطينيَّين، الأمر الذي يُلقي بظلاله وتأثيراته على الساحة الفلسطينية، ويؤدي إلى تصعيد الأحداث وتوتير الأجواء الفلسطينية، الأمر الذي يتطلَّب توحيدَ الجهود وتكاتفَها والتلاحمَ بين أقطاب الشعب الفلسطيني؛ من أجل مواجهة هذه الأزمات، التي قد تعصف بالمجتمع، وتعمل على تفككه، وتُشعل فتيل الحرب الأهلية بين أبنائه.

 

وسط تأزُّم الوضع الفلسطيني وتشابكه كَشفت الإدارةُ الأمريكية- وبشكلٍ صريحٍ- عن نيتها تخصيص مبلغ 42 مليون دولار دعمًا للخصوم السياسيين لحركة حماس التي تُشكِّل الحكومة الفلسطينية؛ بهدف الانقلاب على نتائج الانتخابات التشريعية وإسقاط الديمقراطية الفلسطينية، فضلاً عن تقديم التدريب والمشورة الإستراتيجية لساسة وأحزاب علمانية يعارضون الحركة الإسلامية، كما ستستخدم الأموال الأمريكية لتشجيع جماعات "المراقبة" والصحفيين المحليين على مراقبة أنشطة حماس، بينما سيخصَّص ما يصل إلى خمسة ملايين دولار لمدارس فلسطينية خاصة، تقدم نظامًا تعليميًّا بديلاً لنظام التعليم العام الذي تسيطر عليه حماس.

 

ولم تكن هذه المحاولة الأولى للانقلاب على الشرعية الفلسطينية، بل تأتي ضمن سلسلة من  المحاولات المستمرة لإجهاض الديمقراطية الفلسطينية وإسقاطها، فيما دعمت الولايات المتحدة حرَسَ الرئيس الفلسطيني بشُحناتٍ من الأسلحة والذخائر الأمريكية؛ بهدف دعم الرئيس الفلسطيني ومساندته في مواجهة الحكومة واكتمال مسلسل المؤامرة الذي تقوده أمريكا؛ بهدف إسقاط الديمقراطية الفلسطينية والانقلاب على الشرعية الفلسطينية.

 

فيما كُشف النقاب مؤخرًا عن معسكراتٍ تدريبيةٍ تُنشئها الولايات المتحدة في مدينة أريحا في الضفة الفلسطينية، تتركز مهمتها على تدريب قوات أمن فلسطينية تابعة لرئيس السلطة الوطنية؛ حيث بلغ كلفة إنشاء معسكرين تدريبيَّين حوالي 20 مليون دولار.

 

ومحاولات إسقاط الديمقراطية الفلسطينية تأتي ضمن النهج الأمريكي المتبَع مع الدول والأحزاب التي لا تسير في فلك أمريكا، فالمحاولات لإسقاط الديمقراطية بدأت منذ فوز حماس بأغلبية ساحقة بانتخابات المجلس التشريعي، من خلال الاجتماعات العالمية المكثَّفة التي تقودها الولايات المتحدة؛ بهدف إطباق الحصار على الحكومة الفلسطينية عالميًّا، وقطع الطريق عليها، والعمل على إسقاطها والانقلاب عليها.

 

والهدف الأسمى الذي تسعى إليها الولايات المتحدة هو إشعال فتيل الأزمات والفتن الداخلية، الأمر الذي يمهِّد للحرب الأهلية بين أبناء الشعب الفلسطيني؛ بهدف الانقلاب على الحكومة الفلسطينية وإسقاطها، وزعزعة الوضع الداخلي، وإدخال المنطقة في دوَّامة كبيرة من العنف؛ لتصبحَ نسخةً مماثلةً عن العراق الشقيق.

 

وتُعدُّ محاولاتُ إسقاط الحكومة الفلسطينية وغيرها من حكومات العالم أمرًا ليس غريبًا على أمريكا في إطار بسْطِ سيطرتها وثقافتها الإرهابية على حكومات وشعوب العالم، ولكن الأغرب من ذلك التماشي مع المحاولات الأمريكية لإسقاط الديمقراطية الفلسطينية، من خلال التصريحات السوداء التي أطلقها أحد النواب الفلسطينيِّين في مؤتمر صحفي، واصفًا الحكومةَ الفلسطينيةَ بأنها "حكومة فاشية وإرهابية"، فمثل هذه التصريحات لا تصبُّ في المصلحة الوطنية العليا، وبل في مصلحة أمريكا وإسرائيل، وتهدف إلى ضرب الصف الوطني، وزعزعة الوضع الداخلي، والتماشي مع الأهداف الأمريكية؛ بهدف العمل على إسقاط الحكومة الفلسطينية، وإشعال فتيل الحرب الأهلية الداخلية.