أمامنا ثلاثة مشاهد يتعين فهم العلاقة بينها.. أول هذه المشاهد هو الملف النووي الإيراني الذي يُثار منذ عدة سنوات ولكنه شهد تصعيدًا متبادلاً بين تطور الأنشطة النووية والمواقف السياسية الإيرانية مقابل تصميم الولايات المتحدة على حرمان إيران مما تُسميه الطموحات النووية الإيرانية، ورغم ذلك تعترف الولايات المتحدة بحقِّ إيران وفق أحكام المادة الرابعة من اتفاقية منع الانتشار النووي بالاستفادة من الاستخداماتِ السلمية للطاقة النووية؛ بل وتلزم الدول النووية بتقديم الوقود النووي للمفاعلاتِ في الدول غير النووية، ولم تحظر قيام هذه الدول نفسها بتجهيز الوقود اللازم لهذه المفاعلات، وليس هناك خشية من تحولِ الدولة من الاستخدام السلمي إلى الاستخدام العسكري ما دامت الدولة تخضع لنظامِ التحقيق والتفتيش من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو نفس السبب الذي تدفع به إيران للردِّ على الملاحقة الأمريكية لها، وكلاهما إيران والولايات المتحدة يعلمان جيدًا أن الأزمة ليست في الملف النووي وإنما هي أزمة سياسية سببها أن إيران من الدول المناهضة للسياسة الأمريكية وأنها تطاولت على المقدسات الصهيونية فطعنت في المحرقة وفي سبب قيام "إسرائيل" ونسفت كل الدعاوى الصهيونية التي تتمسح بالتوراة والتاريخ والأساطير الأخرى التي فصلها جارودي في كتابه حول الأساطير المؤسسة للدولة العبرية.

 

في نفس المشهد تناهض واشنطن حق إيران في تخصيب اليورانيوم استنادًا إلى ثلاثة دفوع: الأول أن إيران من أكبر الدول المنتجة للنفط وليست بحاجة إلى الطاقة الذرية، والثاني هو أن الطاقة الذرية محوطة بمخاطر ضعف الأمان مما يهدد الإنسان والبيئة، والثالث أن إيران مناهضة للكيان الصهيوني، والدفع الثاني تتبناه أيضًا دول الخليج.

 

المشهد الثاني الذي استجد بينما المشهد الأول لا يزال ملتهبًا والتكهنات حول مصيره تشغل كل المحللين والمراقبين، ونعني بالمشهد الثاني إعلان مصر المفاجئ خلال المؤتمر السنوي الرابع للحزب الحاكم في الأسبوع الأخير من سبتمبر 2006م أن مصر اتخذت قرارًا بإحياء الصناعة النووية التي توقفت خوفًا مما سببه مفاعل شيرنوبل من آثار عام 1986م بعد أربع سنوات من تصديق مصر على اتفاقية منع الانتشار النووي، ويبدو أن ذلك كان أحد التفاهمات المصرية الأمريكية الإسرائيلية بدلاً من أن تعلق مصر انضمامها إلى المعاهدة حتى تنضم تل أبيب، قامت بإحراق هذه الورقة في يدها مجانًا لأسباب تعذر على الدارسين والمتابعين فهمها.

 

القرار المصري أعلن فجأةً دون مقدمات بعد أيام من رفض مؤتمر الوكالة الدولية للطاقة الذرية مشروع قرار عربي يدين التسلح النووي الصهيوني ويطالب تل أبيب بالانضمام إلى معاهدة منع الانتشار النووي والدخول في نظام التفتيش الدولي خاصةً بعد أن أعلنت الوكالة  نفسها عام 2005م أنها تعتقد أن لدى الكيان الصهيونى عددًا كبيرًا من الرؤوس النووية ثم زار البرادعي تل أبيب وطوى الملف.

 

القرار المصري أعلن أيضًا في وقتٍ يشتد الجدل حول الملف النووي الإيراني وتوشك واشنطن أن تقايض العراق بالملف الإيراني أي التسامح مع المطالب الإيرانية النووية مقابل تعاون إيران مع واشنطن في معالجة مناسبة للملف العراقي خاصةً بعد تأكيد أحمدي نجاد لجواد المالكي خلال زيارته لطهران في سبتمبر 2006م ما يشير إلى أن لإيران قدرةً على تهدئة الأوضاع الأمنية في العراق، ثم أعقبه اتهام الرئيس العراقي جلال الطالباني إيران وسوريا بدور في الأزمة العراقية، وكذلك اتهامات أخرى لإيران والسلطات العراقية في المذابح الطائفية الغامضة يوميًا في العراق.

 

وشددت مصر دائمًا على أنها تريد الشرق الأوسط خاليًا من أسلحة الدمار الشامل بما فيها الأسلحة النووية؛ ولذلك أكد الإعلان المصري على الطابع السلمي لبرنامجها النووي وأن من حقها وفق معاهدة منع الانتشار النووي الاستفادة من الاستخدامات السلمية للطاقة النووية وأنها كطرفٍ في المعاهدة تخضع لنظام التفتيش.. أكدت مصر أيضًا أن السبب لهذه الخطوة النووية هو توفير مصادر الطاقة بعد أن أرهقها استيراد مواد الطاقة البترولية طوال هذه السنوات، مما يبرر تخصيص ميزانية الإنفاق النووي الضخمة خلال سنوات الإعداد العشر القادمة.

 

يلاحظ في المشهد المصري أن الكيان الصهيوني أعلن أنه لا يخشى البرنامج النووي المصري، وأنَّ واشنطن تبارك الخطوة المصرية وتشجعها وترحب بأن تكون شريكًا نوويًا، في نفس الوقت تؤكد الحكومة المصرية منذ ثمانينيات القرن الماضي أن حيازةَ الصهاينة للسلاح النووي لا قيمةَ له عسكريًّا بسبب مخاطر استخدامه في مساحة ضيقة تضر بالكيان قبل غيره، علمًا بأن تل أبيب تستخدم منتجات عسكرية نووية في أنشطتها العسكرية في فلسطين ولبنان مثلما فعلت الولايات المتحدة ضد العراق عام 1991م وعام 2003م.. كذلك تشهد الساحة المصرية والعربية مطالبات بالتسلح النووي أو على الأقل الاستفادة السلمية من الطاقة النووية إزاء سلوك الصهاينة البربري في الأراضي العربية.

 

في نفس المشهد نشير إلى أنه في أواسط عام 2005م أثارت واشنطن زوبعة ضد ما أسمته محاولات مصر السرية حيازة السلاح النووي ويومها صدرت تقارير وتصريحات غامضة من الوكالة ثم تصريح أخير بإبراء الذمة ثم دفن الموضوع بعد أسابيع من إثارته.

 

في نفس الوقت أيضًا شددت مصر على أن إحياء المشروع النووي هو خطوة حضارية ضخمة تؤهل مصر لدخول القرن الجديد، وغيرها من التصريحات التي لا تستحق أن نتوقف عندها في سياق هذا التحليل.

 

السؤال هو هل قررت مصر وحدها إحياء البرنامج النووي وفاجأت به أمريكا والكيان الصهوني أو بالتفاهم معهما؟

 

وهل رحبت واشنطن بالبرنامج المصري أم هي التي أوحت به في إطار معالجتها للملف الإيراني، رغم أن إثارة الملف المصري الذي لن يظهر إلى الوجود إلا بعد عشر سنوات على الأقل يفيد الموقف الإيراني، علمًا بأن هناك فارقًا ضخمًا بين مصر وإيران من هذه الزاوية، فمصر حليفٌ للولايات المتحدة، وهي تعلن منذ البداية خلافًا لإيران التي ظل برنامجها سريًّا بعد أن تقرر إحياؤه عندما توقف برنامج الشاه بقيام الثورة الإسلامية عام 1979م.. وخلال سنوات الإعداد المصري الطويلة لا تزال الفرص أمام الكيان الصهيوني والولايات المتحدة للاعتراض إذا تغير مناخ العلاقات المصرية معها.

 

أما الفارق الثالث فهو أن إيران توظف الملف النووي لكي تقنع واشنطن بأنها شريك في السياسات الإقليمية في الخليج وأنها تستحق ذلك وقادرة عليه، وأن عداءها للشيطان الأكبر ليس قدريًّا أو أيديولوجيًّا بل هو عداءٌ سياسي يزول بزوال أسبابه.

 

بقى الفارق الرابع وهو العامل الصهيوني؛ لأن تل أبيب طرف في الحالين، في حالة مصر فإن الوضعَ يختلف حيث تؤكد مصر حرصها على الكيان، وحقه في الحياةِ ولا تشكك في الهولوكوست وتغمض عينيها كلتيهما في الكثير من الأحيان حتى لا تستثير الصهاينة خاصةً منذ أن صرحت كونداليزا رايس بأن "من أحب إسرائيل فقد أحب أمريكا".

 

وإذا كان الإعلام المصري إيعازًا من أمريكا، فما هو الهدف؟ هل هو رسالة مزدوجة إلى إيران: الأول أنها تعني أنه بوسع الدولة الحليفة المسالمة الواضحة أن تحوز الطاقة الذرية ما دامت أهدافها واضحة ويمكن التحقق منها، بل يمكنها حتى أن تكون نووية ما دامت حليفة مثلما هو حال الكيان الصهيوني والهند، الرسالة الثانية أن إصرار إيران على الخيار النووي قد فتح الباب أمام سباق التسلح النووي خاصةً وأن التيار الأغلب في الصحافة الأمريكية كان قد حذَّر من أن تسلح إيران سيدفع دولاً مثل مصر والسعودية على التسلح أيضًا ولكن هذا التحذير لا يتسم بالجدية؛ لأن سباق التسلح النووي من الجانب العربي سيضر بتل أبيب فتواجه مجموعة نووية بدلاً من دولة واحدة وهم يعلمون جيدًا أن الباقي هو أن بقاء الحال من المحال خاصةً في ظل تصرفات إسرائيل التي استفزت الشارع العربي فضلاً عن السلوك الأمريكي.

 

المشهد الثالث يقوم على تصريح لوزير الخارجية المصري في 21/9/2006م يتعلق بإنشاء منتدى غير رسمي يضم مصر والأردن ودول مجلس التعاون الست + الولايات المتحدة أي 8+1 وأن هذا المنتدى سوف يتولى التعامل مع إيران في شأن ملفها النووي.

 

المعلوم أن جميع هذه الدول التسع عدا مصر والولايات المتحدة تقيم علاقاتٍ رسميةٍ مع إيران, وأن محاولات إقامة علاقات مصرية إيرانية منذ قطعتها إيران عام 1979م تراوحت مجالاً معينًا، والثابت أن هناك مصلحةً مصريةً محققةً في إنشاء هذه العلاقات، وأن مصر كانت تعرف حين يكون الإقبال الإيراني في غايته، بينما أقبلت مصر في لحظة انصراف إيران، وفي أحيان قليلة كانت الرغبة مشتركة من الطرفين فأحال حائل دون إتمام القران.

 

البعض يرى أن العامل الأمريكي أهم من إرادة الطرفين على الأقل في أثره على القرار المصري، والبعض الآخر يرى غير ذلك، وأن إرادة الطرفين إيران ومصر متوفرة لولا سوء الحظ وتغير الظروف.. فهل هذا المنتدى هو أحد الترتيبات الأمريكية كخط متقدم للحوار مع إيران لحساب واشنطن وبتوجيهاتها، وهل هو مع الاتحاد الأوروبي أم بديل عنه.

 

تلك مشاهد ثلاثة: المشهد الإيراني، المشهد المصري، المشهد المختلط أو منتدى الحوار، وهذا الأخير قد يسهم في وصل العلاقات المصرية الإيرانية في سياق متعدد بدلاً من السياق الثنائي الذي قد يُثير قلق غيرهما، وهل تمتد مهمة هذا المنتدى لتشمل كل القضايا الإقليمية الأخرى مثل فلسطين ولبنان وهل هو يقصد عزل سوريا والحوار مع إيران أم يقصد تليين إيران أولاً ثم التوجه إلى سوريا .

 

المؤكد أن هناك علاقةً ما بين هذه المشاهد الثلاثة، والمؤكد أن المصلحة العربية في هذه المشاهد غير واضحة، والمؤكد أخيرًا أن بطل المشاهد الثلاثة هو الولايات المتحدة.