قد لا يعرفه الكثيرون من أبناءِ هذا الجيل لأنهم لم يروه، لكني رأيته لأول مرةٍ منذ ما يناهز ثلاثين عامًا مبتسمًا ابتسامة رضا، أشهدُ أنَّها لم تفارقه بعد ذلك، وعرفت قصته، حُكِمَ عليه بالأشغالِ الشاقة المؤبدة عام 1955م مع ألفٍ غيره، ومع من حُكِمَ عليه بالإعدام شنقًا في محنة الإسلام الأولى في عهد طاغية عصره، وتسلَّطَتْ شياطين الدولة على زوجته الشابة حتى طلَّقُوها منه وماتت ابنته منها كذلك.

 

والرجل صابر مُحتسب لا تفارقه ابتسامة الرضا؛ لأنَّه كما يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر يؤمن بالقدر خيره وشره.

 

وتقدمت الكاتبة الإسلامية الناشئة أمينة قطب (25 عامًا) تطلب يد كمال السنانيري عن طريق شقيقها سيد قطب (اللَّذَين يَضُمُّهُما سجن واحد) وتململ كمال وأصرت أمينة، وكان عقد القران داخل أسوار السجن، وبقيت الكاتبة الشابة تنتظر زوجها السجين عشرين عامًا، كلاهما يَضْرِبُ مثلاً في الصبر والاحتساب، ويُعَلِّمان "طُلاب الدنيا" أنَّ ما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون!

 

ووقع ما وقع خلال هذه السنين الطوال وابتسامة الرضا لا تفارق وجه كمال السنانيري (البشوش)، وكان الإفراج عنه عام 1974م مع آخر دفعةٍ خرجت من الإخوان المسلمين، وبنى بالزوجة التي انتظرت عشرين عامًا وقد جاوز الخامسة والخمسين، وبدأ مع الحياة الزوجية الجديدة عملاً كَثُرَتْ فيه أسفاره إلى الخارج لكنه كان يعود إلى (عش) الزوجية الجميل!

 

وكانت محنة أخرى بعد أحداث سبتمبر 1981م، واعتُقِلَ كمال السنانيري، وكان فؤاد علام رئيس جهاز (مكافحة النشاط الديني)، وكان هذا هو الاسم الموضوع على مكتبه حتى انتقدته وقلتُ له (مكافحة النشاط الديني) في دولةٍ دينها الإسلام!، فأضاف إلى العبارة كلمة (المتطرف) بعد ذلك!! وبلغتنا- وكنت وقتها بالخارج- أنباء التعذيب الوحشي الذي تعرَّض له كمال السنانيري ليخبر عن نشاطه في الخارج.

 

وأبى الرجل الأمين، وضاقت صدور المُعَذِّبِين؛ فخنقوه بأيديهم، وسلَّمُوا جثته، ورأى أهله آثار التعذيب، ومن النكايةِ أنَّهم حلقوا نصف ذقنه وتركوا النصف الآخر؛ استهزاءً بسنةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65)﴾ (التوبة).

 

واستُدْعِيَ شقيقه شوقي وابن أخته الدكتور عزمي وجرى التنبيه عليهما والتهديد، وكانا ممَّن أصابهم القرح قبل ذلك فسكتا ولم يتكلما وربما تكلما بما لم يعتقدا.

 

 

 الشهيد/ كمال السنانيري

 وسرى نبأ قتل كمال السنانيري في أنحاء العالم، وصَلَّت جموع المسلمين صلاة الغائب وجاء الرئيس المصري إلى ألمانيا وكنت وقتها في المدينة المنورة.

 

وسارت مظاهرة قوامها ستة عشر ألف مسلم في ألمانيا، رافعةً لافتات (دم السنانيري أغلى من دم السادات) و(حاكِموا قتلة السنانيري)، وطُبِعَ منشور وُزِّعَ منه عشرون ألف نسخة على مستوى أوروبا يُنَدِّد بمقتل كمال السنانيري.

 

وجاء فؤاد علام بعد زيارة الرئيس لألمانيا وليس قبلها كما ادَّعَى وطَلَبَ تهدئة الأمور، وكان بيني وبينه خمس جلسات سجَّلَتْها إحدى الجهات، وقد واجهتُه فيها بأنَّه شارك في قتل السنانيري، فألغى زيارته لبريطانيا وفرنسا بنَاءً على ذلك، وشاء الله أنْ يخرج من جهاز أمن الدولة، وأنْ يُعَيَّن مديرًا لأمن بورسعيد.

 

ولما وقعت محاولة قتل النبوي إسماعيل ثم حسن أبو باشا وضع حراسة على سكنه (30 جنديًّا)، فاستدعاه وزير الداخلية في ذلك الحين زكي بدر وسأله عن العددِ الكبيرِ الذي يضعه حول سكنه؛ فقال: "لأنَّي عليَّ الدور" يقصد بعد النبوي وحسن أبو باشا، فشتمه زكي بدر- كما حكى لي- ونقله إلى شرطة السياحة، ثُمَّ أُحيل إلى التقاعد.

 

ولا أريد أنْ أسترسل في أنَّه جاءني بعد إحالته إلى التقاعد يطلب المساعدة في عملٍ له، وقدَّم أوراقه ولا تزال عندي، لأنَّ هذه أمور شخصية أنأى بالقارئ أن أُشْركَه فيها.. لكنِّي أعود إلى كمال السنانيري بمناسبةِ الضجة التي أُثيرت حول مقتله لأقول بعون الله:

 

1- إنَّ من حقِّه وحقِّ أهله أنْ يُقْتَصَّ من قاتله، فذلك شرع الله ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ (البقرة: من الآية 179) ولا تسقط الجريمة وفقًا لشرع الله (ولا يبطل دم في الإسلام) أي لا يذهب هدرًا.

 

2- من حسن الحظ لدم (الشهيد)- إن شاء الله- ومن سوء الحظ لقاتله أنَّ الجريمة لم تسقط كذلك وفقًا للقانون رغم مضيِّ خمسة وعشرين عامًا عليها؛ لأنَّه بنص الدستور (المادة 57) فإن جرائم التعذيب لا تسقط بالتقادم وقد كان مقتله بناءً على جريمةِ تعذيب!!

 

3- أنَّ السيد فؤاد علام لمَّا أحسَّ بحبل المشنقة يقترب من رقبته راح يهذي هنا وهناك، ويُحْدِث ضجَّةً بأنه مقصود من الإخوان؛ لأنَّه يقف ضد (مُخَطَّطَاتِهم)، ويحاول أنْ يخطِب ودَّ النظام، ويتقرَّب إليه ولو على جثث الإخوان المسلمين!! وقد كان له هدفٌ آخر لمسته فيه من خلال أحاديثه معي أنَّه يتطلَّع إلى كرسيِّ (السيد/ حبيب ...).

 

4- ليس من مصلحة النظام أنْ يحمي المجرمين؛ لأنَّه بذلك يحمل أوزارهم، وحسْبُ النظام ما يحمل!!

 

5- إنَّني أدعو السيد فؤاد إلى توبةٍ عاجلةٍ؛ فلم يبقَ في عمره مثل ما سبق ولا نصفه ولا ربعه طبقًا لسنن الله في الحياة.

 

وخيرٌ له أنْ يسترضي أولياء الدم قبل أنْ يمضي فيه حكمُ الله فلا يستطيع شيئًا ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65)﴾ (يس) ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمْ اللَّهُ دِينَهُمْ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25)﴾ (النور) وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.