ترجمة: حسين التلاوي

المصدر: جريدة جارديان البريطانية

تاريخ النشر: 9 سبتمبر 2006م

 

نشرت جريدة الـ(جارديان) البريطانية في عددها الصادر اليوم السبت 9 سبتمبر 2006م مقالاً بقلم إسماعيل هنية رئيس الوزراء الفلسطيني حول الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء البريطاني توني بلير إلى الأراضي الفلسطينية، وفي مقاله هذا تناول هنية العديد من القضايا السياسية ذات الأهمية في المرحلة الراهنة من تاريخ القضية الفلسطينية.

 

أبرز ما طرحه هنية في مقاله حالة الحصار السياسي والاقتصادي الراهنة المفروضة على الشعب الفلسطيني وحكومته المُنْتَخَبة، في محاولةٍ من التحالف الأنجلو- سكسوني الصهيوني لمساومة الفلسطينيين على حقوقهم في الحرية والاستقلال.

 

وقد تبنَّى هنية في مقاله مجموعةً من القضايا التي سارت في مسارين رئيسَين؛ الأول هو حالة التبعية الواضحة للقرار البريطاني لأجندة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، أمَّا الثاني فهو الانتهاكات الصهيونية والغربية ضد الشعب الفلسطيني وحكومته المنتخَبة التي تقودها حركة حماس- وخاصةً على المستويَيْن الإنساني والسياسي- من خطف للنواب والوزراء وحصار للأراضي المحتلة، وفي السياق حاول هنية أنْ يصل برسالته إلى الشعب البريطاني، وخاطبه في محاولة لحمله على الضغط على حكومة بلير لتعديل سياساتها في هذا الإطار.

 

وفي واقع الأمر فإنَّ زيارة بلير إلى الشرق الأوسط في الوقت الراهن لا يوجد لها داعٍ سياسيٌّ من وجهة نظر الكثير من المحللين مع عدم وجود أية فاعلية للسياسة البريطانية في ظل سيطرة الأجندة الأمريكية- الصهيونية على السياسة الشرق أوسطية، وتماهي بلير مع سياسة حليفه بوش.

 

ولذلك فإنَّ العديد من الأطراف السياسية الفلسطينية تنظر بعين الحذر إلى زيارة لن يلتقي فيها الزائر- وهو ممثل لقوة كبرى كانت هي الأعظم في يوم من الأيام- مع رئيس الحكومة الفلسطينية المنتخَبة من الشعب الفلسطيني!! وهو ما أشار إليه هنية في مقاله، وعلى ذلك لماذا جاء بلير وماذا سوف يفعل؟ لا أحد يدري!! ربما فقط سيسعى إلى محاولة فرض المزيد من الإملاءات الأمريكية والصهيونية على الفلسطينيين.

 

ورغبةً من (إخوان أون لاين) في تعميم الفائدة من هذا المقال المهم- على قِصَرِه- والذي ينقل فيه هنية الكثير مما يعتمل في صدور الفلسطينيين في هذه المرحلة، فقد رأى الموقع تقديمه كاملاً لقارئي العربية، فإلى المقال:

 

سياسة العقاب

يعلم مواطنوك أنَّ الفلسطينيين يعانون ظلمًا كبيرًا إلا أنَّك تزيد من هذا الظلم سيد بلير

بقلم: إسماعيل هنية*

 

على الرغم من المسئولية التاريخية للحكومات البريطانية المتعاقبة عمَّا وقع لأهلنا منذ إعلان وعد بلفور وكارثة التهجير فإنَّ الأمل كان يحدو الفلسطينيين لأنْ يتخلَّى الجيل الجديد من السَّاسة البريطانيين عن ميراث الماضي ويبدأوا في اتباع مبادئ العدالة والحقيقة في الشرق الأوسط.

 

ولكن على الرغم من ذلك فقد شهد العقد الأخير- للأسف- أكثر السياسات البريطانية أُحاديةً وإجحافًا تجاه الشرق الأوسط منذ إنشاء "إسرائيل" في وطننا قبل ما يقارب الـ60 عامًا، والسبب الرئيسي في ذلك يرجع إلى التَّبَعيَّة غير المفهومة من جانب حكومة (رئيس الوزراء البريطاني) توني بلير لإدارتي (الرئيس الأمريكي السابق بيل) كلينتون و(الرئيس الأمريكي الحالي جورج) بوش، اللتين نظرتا إلى الشرق الأوسط من خلال العيون الصهيونية.

 

وعلى الرغم من جرائم الحرب الصهيونية ضد شعبنا واغتيال قادتنا فإنَّ الفلسطينيين قدموا للعالم واحدةً من أكثر التجارب الديمقراطية شفافية في الشرق الأوسط، وكان ردُّ الحكومة البريطانية هو تأييد السياسة الأمريكية و"الإسرائيلية" في فرض العقوبات والمقاطعة، فيما يُعْتَبَر توجُّهًا مفضوحًا نحو العقوبات الجماعية.. ومنذ الانتخابات التشريعية في يناير من العام 2006م والشعب الفلسطيني يُعاني من حصار ومقاطعة سياسية واقتصادية فيما أُطلِقت يد آلة الجيش "الإسرائيلي".

 

 

 رئيس الوزراء البريطاني توني بلير

يخطط السيد بلير لزيارة الوطن في عطلة نهاية الأسبوع، فهل يُعتبر ذلك ضربًا من ضروب العلاقات العامة، بينما هو يخطو خطواته الأولى نحو الخروج من رئاسة الحكومة؟! أو يعتبر محاولةً لإطلاق مبادرة جديدة تهدف إلى كسر الحصار الذي فرضته سياساته وسياسات أصدقائه؟! لربما كانت فرصة بالنسبة لي- كرئيس للوزراء- أنْ أُجري معه مناقشاتٍ مباشرةً إلا أنَّ ذلك لم يمكن ممكنًا؛ حيث إنَّ حكومته قرَّرَتْ ألا تعترف بحكومتي، ليس هذا فقط، بل إنَّ حكومته قرَّرَتْ أنْ تُعاقب شعبي أيضًا على انتخابه لي وللكثير من رفاقي النواب الذين يقبع العديد منهم في الاعتقال "الإسرائيلي" منذ أنْ تم اختطافهم من منازلهم ومكاتبهم.

 

ويُعتبر هذا الاعتقال الذي شمل 5 وزراء و33 نائبًا- من بينهم نائبي (ناصر الشاعر) ورئيس المجلس التشريعي (عزيز الدويك)- انتهاكًا للمبادئ الأساسية التي تقوم عليها الديمقراطية، إلا أنَّ ذلك يبدو غير مهم بالنسبة للسيد بلير، بالنسبة له فإنَّ أسْر 3 جنود "إسرائيليين" أكثر أهميةً من 10 آلاف أسير فلسطيني.

 

وهنا في فلسطين نسأل عن الكيفية التي ينظر بها الرأي العام البريطاني للطريقة التي تعامل بها رئيس حكومته توني بلير مع المسألة، وهي الطريقة التي أدت إلى تلك المعاناة غير المسبوقة للشعب الفلسطيني، نحن نعلم لماذا تعرض شعبنا لذلك العقاب الجماعي، فهذا يرجع إلى رفضنا التخلِّي عن حقوقنا في الحرية والاستقلال.

 

يأتي الاحتلال "الإسرائيلي" في قلب المشكلات التي يعاني منها الشرق الأوسط، ورسالتنا إلى نواب حزب العمال (البريطاني) عندما يجتمعون هذا الشهر، وهي ألا يدعوا هؤلاء الذين يدعمون من يقمعوننا أنْ يدفعوهم بعيدًا عن قيمهم ودعمهم التاريخي لحركات التحرر حول العالم.

 

لقد تلقينا إشاراتٍ تدل على أنَّ الرأي العام البريطاني غير راضٍ عمَّا تفعله حكومة بلير بشعبنا، ونعلم تمامًا أنَّ غالبية الشعب البريطاني لا تُقِرُّ غزو العراق، ونشكرهم كثيرًا على هذا الموقف وعلى تعاطفهم معنا في محنتنا.

 

فقط من خلال العدالة يمكن للسلام أنْ يعمَّ في الإقليم بما يمكِّن المسلمين والمسيحيين واليهود من العودة إلى العيش معًا في سلام.

-----------

* الكاتب.. رئيس الوزراء الفلسطيني.